انتخابات الارشاد ... وماذا بعد؟
ترددت كثيرا فى أن أكتب أو لا أكتب معلقا على الأحداث التى تجرى مؤخرا فى جماعة الإخوان المسلمين، وخاصة أنه تنازعتنى فيها مشاعر مختلفة متضاربة بالفرح حينا وبالقلق حينا آخر.
فرح نشأ من إصرار المرشد على أن يرسخ قاعدة جديدة بترك منصبه بعد ولاية واحدة، ورضا عن تغير موقف البعض – مقتنعين أو مكرهين- لمناقشة بعض القضايا الفكرية بل والتنظيمية للجماعة عبر الإعلام، واهتمام الرأى العام الاقليمى منه والعالمى بكواليس ما يحدث داخل جماعة الإخوان، وأصبح المواطن العادى يعرف كثيرا من رموز هذه الجماعة ويقارن بين مواقفهم وتصريحاتهم وأفكارهم بل وربما تفاعل وتمنى فوز بعض منهم فى انتخابات الارشاد الأخيرة.
ومشاعر أخرى يغلب عليها القلق من كم الاختلافات التى حدثت والتى لم تكن لتعكر صفو الحدث لولا أنها تصاعدت بشكل يفوق حجمها تاركة آثارا قد تفسد للود قضية، وقلق من تفاعل بعض أفراد الجماعة مع الأزمة وسلوكهم ازاءها والتعصب لأحد وجهتى النظر فيها، وقلق من مساحة وحجم التغيير التى حدثت فى نتائج الانتخابات ونوعيته.
ولكن حتى لا تنتهى الأحداث وكأنها جعجعة بلا طحين وحتى لا ينفض السامر وقد تمخض الجبل فولد فأرا، فعلينا أن نبحث عن ملحوظات واقتراحات تتعلق بالاطار وليس التفاصيل لنضع بها اجابة على تساؤل مهم... وماذا بعد؟. وإن كان لى أن أدلى بدلوى فلن أكتب عن ما حدث وتوافقى أو اختلافى معه ولكنى سأقف على أربع نقاط أرى اهمية بالغة لها فى أن تتصدر اهتمامات مكتب الارشاد القادم كوسائل وسياسات لا تشغل أبدا ولا تحرف البوصلة عن الأهداف والخطط والغايات.
1- الاعلام الخاص بالجماعة والخارجى والتعامل معه
لمسنا فى الازمة الأخيرة حاجتنا الملحة لوجود إعلام خاص مهنى قوى سريع متفاعل واسع الأفق رحب الصدر يعرض الرأى والرأى الآخر ويقف على مسافة متساوية من الاختلافات فى الآراء، لا يعظم شخصا على آخر أو فكرة على أخرى، جرئ يتخطى الحواجز والحدود، مؤثر ويسهم هو ذاته فى عملية تطوير الجماعة وتحسين أدائها ولا يكون فقط مجرد بوق يعلن عنها بما يشاؤه البعض وكيف يشاؤه. وأن تتنوع مساراته وتتجدد أشكاله فيخرج عبر المواقع الالكترونية والتسجيلات المرئية والاذاعات الصوتية والكتابات الورقية راسما خطى واضحة ومجدولة للوصول لإنشاء قناة فضائية.
أما الإعلام الخارجى فينبغى أن نحسن استخدام اللغة التى يفهمها ويقبل عليها دون أن يكون لنا خطابين، وأن نمد جسور تواصل معه تكون على طريقة الذهاب والعودة فنأخذ منه وعنه الانتقادات والتساؤلات ونرسل خلاله وعبره الآراء والمواقف والأحداث، سيظلمنا تارة ويتجنى علينا أخرى ولكن شئنا أم أبينا سيكون هذا دوما ديدنه فليفعل ذلك ونحن معه متفاعلون بدلا من أن يتفاعل وحده بعيدا عنا ونحن له لائمون ومنتقدون.
وفى الاتجاهين علينا أن نسمح بمساحة أكبر للنقد العلنى ومناقشة أمور فكرية بل وتنظيمية داخلية فى بعض الأحيان على الملأ، فلقد أوضحت التجربة أن توفر المعلومات يساهم فى كشف الحقائق ويجليها أكثر من الخوف من أن يربك القواعد والتى حق أصيل لها أن تعرف ما يدور وكيف يدور، وأن اتاحة الفرصة لهذه الآراء المختلفة لتخرج عبر وسائلنا الاعلامية قبل غيرها سيتيح فرصة أفضل لحصرها ومناقشتها وتوضيح تفاصيلها بدلا من اللهاث ورائها عبر المواقع المترامية والجرائد المختلفة والمنتديات والمدونات، ولا سيما أن لدينا شيئا جميلا فى أفكارنا واجراءاتنا ولوائحنا ومجالسنا ووسائلنا يستحق أن يظهر للعوام وأن يتكشف لديهم وأن يقدم للحركة الوطنية تجربة وأنموذجا ومثالا وقدوة تحتذى.
وأن تحسن الجماعة اختيار من يتحدث باسمها ويرفع صوتها بمن يتحلى بمهارات الحوار والنقاش والاقناع، ومن لديه قدر من القبول الخارجى والمقدرة على انتقاء العبارات وتجاوز المنزلقات الحوارية، ولا يعيب اختيار البعض لتلك المهمة باقى الإخوان ولكن لكل عمل رجاله.حتى وإن حسنت نوايا الجميع واتفقت أفكارهم فإن هناك شخصا قادر على أن يحليها بلسانه ومنطقه فيزرعها فى قلوب الناس وآخر يسيئ تقديمها فيلفظها الآخرون، وجمال دعوتنا وروعة حركتنا يحتاج حقا لذلكم المسوق البارع حتى يقبل عليها المشترون.
2- اللوائح والاجراءات
إنما شرعت لكى تضبط العمل وتكون بمثابة رمانة الميزان التى تحكم حركاته، لذا ينبغى أن تصاغ بشكل جيد ومحدد فيما يجب تحديده ومرن فيما يجب المرونة فيه، وأن يعاد النظر لها ككل بعد ان تعقد لها جلسات مطولة عبر مستويات مختلفة تبدأ من الفرد القابع فى شعبته وتنتهى بعضو الارشاد فى مكتبه، تجمع كل هذه الانتقادات والاقتراحات جنبا إلى جنب مع دراسات عميقة للوائح واطر المنظمات الغير حكومية ذات الخبرة فى العالم ككل، ثم توضع بين يدى لجنة قانونية إدارية متخصصة ربما تستفيد من متخصصين خارج الجماعة حتى وإن كان فى الجماعة الخير العميم والكفاءات الفذة القادرة على ذلك وحدها.
وليس هذا العمل هو من قبيل الوقت المهدر أو التضييع فى ترف نحن فى غنى عنه ولسنا فى حاجة إليه، بل على العكس فأهمية هذا الأمر تنبع من نقطتين:
الأولى أن هذه اللائحة تضمن تماسك البيت الداخلى وتناسقه، ليصبح أقدر على الانجاز والعمل والفعل والمضى قدما فى طريق انجاز غاياته واهدافه
الثانية انها تضرب مثالا عمليا لقدرة المشروع الإسلامى على الإدارة والضبط للتجمعات البشرية، وتعطى تجربة حية لشمول الإسلام.ويجب أن تأخذ هذه المراجعة من الوقت ما يكفى لارساء لوائح تبقى فاعلة ومستخدمة لعدة سنوات قبل الحاجاة لمزيد نظر وتعديل جذرى لها، ولا سيما أن العمل على تجديد اللائحة لن يستغرق جهود كل الجماعة بل ستقوم به مجموعة متخصصة بعد استطلاع واسع لآراء الجميع كما أسلفنا.
لتصبح اللائحة بعد ذلك مرجعا وحكما وفصلا، وأن ننتصر للائحة بعدها على اجراءات اخرى مخالفة نقع فيها كثيرا متعللين بربانية دعوتنا وبتغليب عوامل الأخوة والثقة بيننا.
وربما يُقترح أن يعلن مكتب الارشاد الحالى وكذلك مكتب الشورى العام القادم عن أنهم سيمثلون فترة انتقالية فى حياة الجماعة الإدارية لن تزيد على عامين يتم فيها فلترة وضبط اللوائح وصياغتها فى ثوبها الجديد ومن ثم تجرى انتخابات كلية فى ضوء اللائحة الجديدة.
3- ثقافة الأفراد
ولعلها أهم النقاط وأخطرها، فهى التى تحكم وتوجه التيار العام للعمل ومفرداته، لذا ينبغى أن يعنى عناية خاصة جنبا إلى جنب مع الاهتمام بالتربية والثقافة الإسلامية أن يعنى بالثقافة المدنية –إن صح التعبير- لدى عموم الأفراد، عبر برنامج يشمل ثقافة الحوار والاختلاف وثقافة النقد والنصح وثقافة العمل الجماعى والشورى وثقافة الانتخاب والاختيار وثقافة الادارة والتخصص والاولويات.
حتى يصبح عموم الأفراد فى حصانة من الأمراض وكما يقال الوقاية خير من العلاج فأن تصبح مناعة الأفراد قوية نشطة خير من أن تضيع الأوقات بعد ذلك فى لعق الجراح وتضميدها وتخفيف الآلام وتسكينها.
برنامج ثقافى واضح متنوع إلزامى يصنع شخصية مسلمة ودعوية متزنة ومتيقظة ومدركة ومؤثرة، لا تجرها الأحداث ولا تجزعها الأقوال ولا تستفزها الاختلافات والانتقادات.
4- الصراحة والشفافية والوضوح
ومن أهم الدروس والنقاط هى تلك المتعلقة بالصراحة والشفافية والووضوح، فبرغم أنها لم تكن اختيارا مقصودا بهذا الشكل الذى ظهرت به فى الأزمة وإنما دفعت إليه الجماعة دفعا واضطرت إليه اضطرارا وهى أن تكون صريحة وواضحة لأبعد الحدود، ليست صراحة داخلية فحسب بل صراحة وشفافية على صفحات وقنوات الإعلام وأمام الرأى العام ككل، صراحة وشفافية وصلت لأول مرة لتفاصيل التفاصيل لتشمل صيغ الاستفتاءات وأعدادا دقيقة وأسماء وأشخاصا بمهامهم وأدوارهم، إلا أن نتائج هذه الصراحة والشفافية وثمارها الايجابية أكبر وأعظم بكثير من هالات الغموض السابقة التى كانت تبقى فى أذهان أبناء الجماعة قبل من هم خارجها فى شكل مجموعات من الأسئلة التائهة الحائرة.
صراحة وشفافية ووضوح على كل المستويات وكل المسارات، ابتداء من معرفة المنتمى للجماعة مستواه التربوى وموقعه على خريطة الجماعة ومرورا بوضوح اللوائح والاجراءات وأن يعرف كل فرد ماله وما عليه بشكل محدد واضح لا لبس فيه ولا غموض وانتهاء بشفافية المحاسبة وحيثيات اتخاذ القرارات وكواليس الأحداث.
تلك النقاط الأربعة أرى انها من أهم الدروس التى يمكننا أن نخرج بها من الأحداث الأخيرة، ولكن يبقى ختاما أن أؤكد على ثلاثة نقاط
1- أنه لا يخفى على أحد الظرف الأمنى الذى يحيط بالجماعة مما لا يجعلها تعمل فى بيئة سوية تتيح لها التحرك بحرية، ولكن ينبغى أن لا يكون ذلك معوقا على تطوير آدائها بل إن كثيرا من المقترحات تلك من شأنها أن ترفع أسهم الجماعة فى الحياة العامة وفى نفوس أفرادها بما يجعلها تتحصن بالتفاف شعبى وتجذر فى تربة هذا الوطن وحركاته المدنية بما يحميها من القبضة الامنية الغاشمة المتلاحقة.
2- أن الاختلاف أمر فطرى بشرى وأن العملة لها وجهان يختلف كل منهما تمام الاختلاف فى وجهته إلا انه لا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض ويحمل كل منهما الآخر، كذلك ينبغى أن تتسع صدورنا للخلاف فى الأفكار والرؤى فما يراه البعض خطأَ مطلقا يراه آخرون هو عين الصواب، وما يعتبره البعض هزيمة وانكسار يراه الآخرون سبقا للعصر وقفزات للأمام، والعكس صحيح. و أن نجاح العمل الجماعى وأهم تحدياته هو أن يبلور تلك الاختلافات التى تصل للتناقض وأن يصل لقرار وراية يعمل تحتها الجميع فى النهاية على قلب رجل واحد.
3- - أن عملنا مهما اختلفت شكله أو هيئته أو طبيعته او مساره مارا بالتمكين لهذا الدين وعز وطننا ورفعته ورفع الظلم ومحاربة الفساد إنما يهدف لهدف واحد فى النهاية وهو الوصول لرضا الله وجنته، ولا يصح أبداَ أن ننشغل بالمسار ثمنضل الطريق عن الهدف، كما ينبغى فى ذات الوقت أن نمهد المسار جيدا لنصل للهدف. وأن يظل فى أذهاننا دوما وبوضوح المسار مساراَ والهدف هدفاَ.
لذا علينا جميعا مهما كانت عمق الجراح وآلامه ومهما كان حجم الاختلاف ونتائجه، أن لا تغيب عن أعيننا حقيقة الهدف وأن نبذل كل البذل للوصول إليه، كل أدرى بنفسه وما يصلحها ويوصلها بسلام للغاية والهدف، إن كان فى عمل جماعى بما له وما عليه فبها ونعمت، وإن كان غير ذلك عبر مشروع شخصى له دون أن يغلبه كسل أو ملل فعلى الله الاتكال، المهم أن يبقى الترس متمركزا فى ماكينة ضخمة تمكن لهذا الدين وتعلى من هذا الوطن حتى نصل فى النهاية لبر الأمان فى كنف رضا الله وجنته .
وفقنا الله شخوصا وجماعات لما فيه الخير
هذا الموضوع يندرج تحت المشروع الإسلامي .. مشروع حياة, حالة حوار حول الإخوان المسلمين
ياااااااه ما هذه الرائحة الغريبة، وما هذه الأتربة التى تغطى كل شيئ فى المدونة!! وأين ذهبت صورة الهيدر الخاصة بالمدونة؟!! ومن هذا العملاق الذى وضع رسالة تعلن أن صورة الهيدر بتاعى غير موجودة
يبدو أننى منذ فترة بعيدة بعيدة لم أزر مدونتى، آه فعلا آخر كتابة لى هنا كانت منذ 7 شهور حينما تكلمنا عن الفورة خمسينة، وآخر ما كتب هنا هو ما كتبته علياء من 5 شهور عن أن الدنيا لسه بخير
على اى حال ها أنا اعود للكتابة ولست اعلم حقيقة إذا كانت هذه العودة نزوة بمقال عابر أم أنها ستكون من جديد عودة منظمة مستمرة.
على اى حال أعتقد ان ما دفعنى بشدة للعودة للكتابة هو الأحداث المهمة التى حصلت مؤخرا فى جماعة الإخوان المسلمين من اشاعات استقالة المرشد وما تبعها من أحاديث ونقاشات ومساجلات، ولا أخفى عليكم أن هذه الأحداث حركت فى النفس شجونا ولكنها على التوازى حركت أفكارا وقرارات، ومن بعد ذلك كان نشر ورقة بحثية للدكتور عصام العريان حول مشكلة جماعة الإخوان المسلمين مع الدولة والامن ورؤيته للحل وتطوير أداء الجماعة، الذى دفعنى لكتابة هذه الرسالة. والتى ربما تكون جزيرة منفصلة أو جزء من عدة حلقات مهمة تستوجب الوقوف عندها والكتابة عنها من واقع ما حدث مؤخرا
أترككم الآن مع المقال وأذهب أنا لمسح كل هذه الأتربة ولأتناقش مع ذلك "ألعملاق" لأعيد صورة الهيدر الخاص بى ... ودمتم بخير
خارطة طريق د.العريان وسؤال ينتظر منه الجواب
بعد أحداث أزمة الارشاد الخيرة ظهرت ورقة تحليلية قدمها دكتور عصام العريان القيادى بجماعة الإخوان طرح فيها ما يمكن تسميته بخارطة طريق لمشاكل جماعة الإخوان المسلمين والحل من وجهة نظره، مركزا على أهمية ترك مساحة للإبداع والابتكار وتقليل إن لم يكن فك القيود التنظيمية لصالح مساحة أوسع من الحركة الفردية المجتمعية ودعم المشاريع الإعلامية الفردية.
ولكن المشكلة كل المشكلة أن عجلة الأيام تدور رحاها سريعة ليطحن الاستبداد فى كل يوم بل فى كل ساعة ودقيقة بقايا كرامة للأمة وبقايا عزة نفس للمواطن، حركة سريعة هادرة تستوجب مجاراة لها إن لم يكن سبق وتقدم من قوى الإصلاح والخير لتأخذ هى زمام المبادرة وتصنع هى الفعل لا تكون ردا له، وفى القلب من قوى الإصلاح تلك جماعة الإخوان المسلمين بتراثها الفكرى العميق وتاريخها المشرف طويل، الذى جعلها لازالت الحصان الأسود فى الصراع مع القمع والظلم على الرغم من قدم وطول الصراع بينها وبين الأنظمة المستبدة.
وحتى تكون سرعة حركة الإصلاح ومرونة مناورتها على قدر الهشيم الذى تخلفه بطشة الظلم والقهر مع تعاقب الليل والنهار، يستوجب الأمر أن يخف وينفر مجموعة من جماعة الإخوان المسلمين بحركة أسرع ورؤية أوسع انطلاقا من آداب الجماعة ومشروعها وأهدافها، لا تحكمهم ذات موازانات هذه الجماعة الام العظيمة الكبيرة ولا تقيدهم ذات الحسابات المتعلقة بالمكاسب والمخاسر إذا ضربت القاعدة الرئيسة، طائفة تنفر بذات المشروع والفكر لتصبح كفريق استطلاع يستكشف الأجواء ويكشف الأراضى ويقتحم الحصون المغلقة ويتجاوز الأبواب الموصدة فاتحا آفاقا اوسع للجيش العرمرم يأتى من عبده حاصدا ومرسخا ومثبتا للمكاسب ودارسا للتجارب ومتلافيا للاخطاء والمثالب.
قلوب كثيرة ليست فقط من أبناء جماعة الإخوان فحسب بل من كل أبناء الجماعة الوطنية تنتظر وتتلهف لهذه الطائفة التى ستحدث الفرق و وتسارع الأيام لتنقذ البلاد من الغرق، طائفة لا يُشك فى إخلاصها لقضيتها الوطنية وتتسع أفكارها للانفتاح على المجتمع انفتاحا فاعلا مؤثرا على قاعدة الشراكة والتعاون، مستخدمة مساحة أوسع من التكتيكات والتوازنات السياسية فى ضوء رحابة الفقه الإسلامى وسماحته عن تلك المساحة التى تحكم جماعة الإخوان المسلمين بحجمها الكبير وشمول نشاطتها الدعوية والسياسية.
آن الاوان أن تتحول النظريات والأفكار إلى فعال، وأن تتجسد الآراء والمشاريع فى رجال، بدلا من ان تظل فى خواطر وعقول أصحابها أو سطورا وأحبار على اوراق.
آن الاوان أن يلقى حجر فى المياه الراكدة يدفع ذلك المركب الورقى المستقر هناك إلى الحركة، ربما يندفع أكثر مما يجب وربما يحيد ولو لأمتار عن المسار، ولكن ما دامت قد حدثت الحركة فلن يعود المركب للاستقرار، وسيقوم التجربة ويضبط البوصلة ويعيد الدفة للهدف.
وانطلاقا من خارطة الطريق التى صدرت مؤخرا عن الدكتور عصام العريان، وما أوضحته الأزمة الأخيرة من حجم الالتفاف حول فكر أو شخصية الدكتور عصام العريان من قبل شريحة لا بأس بها من قاعدة الإخوان المسلمين فضلا عن عدد من النخب والمفكرين وقادة الحركة الإسلامية، انطلاقا من كل ما سبق فإن المُطالب الأول بتنفيذ تلك الرؤية –إن صح اجتهادها – للدفع بجماعة الإخوان للخروج من واقعها ومن ثم مد طوق النجاة للوطن المأزوم هو الدكتور عصام العريان ذاته.
عليه بما له من حنكة سياسية وخبرة طويلة فى العمل الإسلامى ومال له من دراسات متنوعة لعلوم الطب والحقوق والآداب والشريعة وما أجاده طوال فترة طويلة – كما هو مترسخ لدى الكثيرين- من قدرته على إجادة التوازن ومسك العصا من المنتصف، إضافة لقوة تواصله مع قيادات جماعة الإخوان المسلمين ومراكز صنع القرار فيها وما لديه من قبول واسع لدى العديد من التيارات والاتجاهات حتى المختلفة منها مع فكره، عليه أن يبلور مشروعا عمليا لمقترحاته النظرية.
مشروعٌ يصاغ بالشكل الذى يضمن له انطلاقا مجتمعيا دون أن يحسب انفصالا أو انقلابا على جماعة الإخوان المسلمين وفكرها، مشروع يقدم كتجربة عملية لاجتهاد الدكتور فى ورقته البحثية فإن قدر لها النجاح كان له أجرين وفتحت التجربة أبوابا أوسع لمثيلاتها من المشاريع، وإن كانت الأخرى فحسبه أجر الاجتهاد وراحة باله وضميره أنه بذل ما وسعه الجهد لما يظنه الأصوب والأصح لتطوير مسار العمل الإسلامى، بدلا من أن يظل الدكتور فى مساحة المنظر والمفكر آملا أن تجد أفكاره يدا غير يده تدفعها وتطبقها وتنفذها وهو الأمل الذى ربما لا تطول حياة صاحبه ولا حياة من يؤمنون بأفكاره حتى يروه واقعا ملموسا.
وبالتأكيد هذا المشروع يحتاج لكثير نقاش مع الداخل والخارج، مع أبناء الجماعة وقاداتها ومع المخلصين من المفكرين والنخب من خارج الجماعة، حتى يخرج بالصورة المرجوة، مشروع قد يلبس الدكتور عصام فيه طاقية عمله النقابى ودراسته الطبية فينتج مشروعا للنهضة بالطبيب المصرى واصلاح أحواله المتردية أسوأ التردى وما يتبع ذلك من نهضة صحية على مستوى الوطن. أومشروع يرتدى الدكتور عصام فيه عباءته السياسية وتاريخه الطويل فى العمل السياسى ليقدم حلا سياسيا لمشكلة البلد وما آل إليه ربما فى صورة حزب أو تجمع سياسى أو... أو .... من غيرها من الأفكار التى لن يعدم الدكتور التفكير فيها والوصول إليها متسمة بصفات الابتكار والابداع والخروج عن المألوف وتكون قادرة على إحداث الفعل.
ربما كان ما سبق خواطر فى نفوس البعض من قديم تنامت مع بداية أزمة مكتب الارشاد وقضية تصعيد الدكتور عصام العريان لهذا المكتب، واكتملت بعد طرح ورقة الدكتور عصام الأخيرة فى الصحف والمواقع، فهل يا ترى تتمخض هذه الأحداث عن أمل جديد للمشروع الإسلامى ومحبيه ونهضة جديدة للوطن وعاشقيه؟، أم أن الأمر لن يزيد على أن يكون صفحات جديدة تضاف لصفحات الأخبار والأقوال فى كتاب التاريخ الطويل؟
هذا سؤال يُطرح للدكتور عصام العريان وينتظر منه الإجابة
هذا الموضوع يندرج تحت المشروع الإسلامي .. مشروع حياة, حالة حوار حول الإخوان المسلمين

1- لماذا تثار انتقادات واشكاليات حول المشروع الإسلامى
2- منطلقات الانتقادات ونماذج منها
3- كيفية التعامل مع تلك الانتقادات على مستوى الجماعة والأفراد
لماذا تثار انتقادات واشكاليات حول المشروع الإسلامى؟؟
ترجع هذه الانتقادات والشبهات والإشكاليات لتداخل مجموعة من العوامل بنسب مختلفة من شخص لآخر. وتتلخص أهم تلك العوامل فى التالى:
1- التعميم، وهو أحد مشاكل التقييم سواء للأفراد أو الجماعات. وهو تعميم رؤية معينة على الجميع حتى وإن كان هناك اختلافات كبيرة بين النظائر التى يطلق عليها هذا الحكم التعميمى، فيتم مثلا وضع الإسلاميين ككل فى سلة، ويتم تعميم أخطاء وتجارب بعض النماذج الإسلامية على كل الحركات الإسلامية دون تفريق بين متشدد ووسطى وبين هذه التجربة وتلك.
2- أزمة اصطلاحات، نتيجة لاختلاف المرجعيات، فقد يتم استخدام مترادفات لذات المعنى وذات المضمون ولكن لا يتم فهمها على حقيقتها لاختلاف المصطلح والعبارة الدالة المستخدمة.
3- الانطباع السلبى المسبق لدى البعض عن المشروع الإسلامى، وكما يقال الانطباعات الأولى تدوم، فحتى برغم أن الواقع يكون مغايرا للانطباع الأول إلا أنه لا يسهل تغييره.
4- أخطاء قد يقع فيها بعض أفراد المشروع الإسلامى، وهذا أمر طبيعى كونهم بشر لم يدعوا لأنفسهم يوما عصمة
5- أخطاء تكتيكية قد تقع فيها جماعة الإخوان شأنهم فى ذلك شأن أصحاب أى مشروع يبنون قرارهم وفق معلومات متوفرة ورؤية مستقبلية، ولذا قد تكون هذه القرارات والخطوات غير موفقة إما نتيجة عدم توفر المعلومات الكافية لاتخاذ القرار أو عدم توقع السيناريوهات المتوقعة بشكل جيد أو لأى سبب كان.فأصحاب المشروع الإسلامى إنما هم أصحاب اجتهاد يوفقون ويخطئون.
6- تضييق المسارات الشرعية أمام جماعة الإخوان ، مما لا يتيح لها القدر المناسب لتطبيق أدبياتها واعطاء الصورة المناسبة عن نفسها واجابة تساؤلات الآخرين عنها بالممارسات العملية.
7- الحملة الضخمة على المشروع الإسلامى بدون حق وبمبالغة من قبل المعادين لهذا المشروع، من خلال بعض منابر الإعلام الرسمية والتى تفتح على وسعها لانتقاد المشروع الإسلامى دون أن تترك فى كثير من الأحيان لأصحابه فرصة لتبيان أرائهم أو الدفاع عن مشروعهم . مما يؤدى لرسم صورة ذهنية سلبية عن المشروع الإسلامى حتى وإن كانت هذه الصورة فى العقل الباطن لدى المشاهد والمتلقى.
منطلقات الانتقادات ونماذج منها:
1- اشكاليات فكرية، حول موقف الجماعة من بعض القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. مثل موقف الجماعة من المرأة والفن ومفهوم الدولة والموقف من الأحزاب و.. و..
2- اشكاليات تنظيمية اجرائية، تتعلق بكيان الجماعة وادارتها ومواقفها وتكتيكاتها واستراتيجياتها. مثل مواقف الجماعة السياسية وتصريحاتها ومفهوم السمع والطاعة ومصادر التمويل والموقف من استخدام العنف كوسيلة و..و..
3- قضايا واشكاليات افتراضية، لم تحدث على أرض الواقع ولكن يثيرها ويتخيلها المتابعون والإعلام فى هيئة اجابات لسؤال "ماذا لو كان الإخوان فى دائرة الحكم؟" مثل الحديث عن مستقبل الأقباط والتعددية السياسية ومساحات الحريات العامة والخاصة و.. و...
وبرغم أن العديد من تلك الانتقادات و القضايا تتناولها الجماعة أكثر من مرة بالرد والتوضيح والتبيان عبر بيانات وتصريحات إعلامية واصدارات مكتوبة. بل وتجاوز الأمر فى بعضها مرحلة التصريحات إلى مراحل التنفيذ. إلا أنها تبقى موجودة وطافية على السطح تكرر هنا وتعلن هناك.
كيفية التعامل مع تلك الانتقادات
أولا: تقيم النقد
يمكن تقسيم النقد المقدم إلى قسم من أربعة:
1- نقد مصيب فيما ذهب إليه:
فى هذه الحالة على جماعة الإخوان الاستماع له، ومادام قد صح منهم التجرد لله عز وجل وخلصت النيات، فلا يضيرهم أن يعترفوا بخطأهم أو صواب ما أُقترح، ومن ثم لا يجدون أى حرج فى أن يتبعوه.
2- قسم يمثل وجهة نظر خلافية فى أمور تقبل أكثر من وجه.
فى هذه الحالة ينبغى أن تطرح الامور المتناظرة وحيثيات كل رأى منها وحجته ووجاهته وأسبابه، وتقابل الحجج بالحجج والأدلة بالأدلة، ولا ضير بعدها أن تتخذ الجماعة من هذه النظائر ما تراه أنسب لفهمها وحالها، ويكون ذلك انعكاسا للرأى العام السائد بين أبناء الحركة واقتناعهم، ويصاحب ذلك بالضرورة تربية لأبناء الجماعة على ثقافة الاختلاف وتقبل وجود آراء أخرى مختلفة.
3- نقد مغلوط أو مبنى على معلومات ناقصة
ينبغى على الجماعة أن تتناوله بالتوضيح والتصحيح، وأن لا تتركه يتضخم ويكبر ويسبب بلبلة ولبسا.
4- نقد قائم على الاتهامات الكاذبة والسب والقذف
فى هذه الحالة التى يلقى فيها السباب والقذف والاتهامات جزافا بلا دليل ولا بينة، تقيم كل حالة بقيمتها ووقتها وحالها، ففى أحيان كثير يكون السكوت عن الرد عليها هو أبلغ رد، ولكن فى أحايين أخرى يكون من الضرورى الوقوف عليها وردها، وليس المقصود الرد على صاحبها ولكن المطلوب ازالة ما قد تنسجه تلك الاأكاذيب من لبس لدى عموم المتابعين لجماعة الإخوان ولا سيما فى عصرنا الحالى وسهولة وسرعة تناقل الأمور والأخبار.
ثانيا : دور جماعة الإخوان مع هذه الانتقادات
1. أن لا تتعامل مع كل نقد على أنه يهدف إلى تشويه الجماعة أو النيل منها، بل ربما فى كثير منه إضافة وإثراء وتطوير وإصلاح بشكل مباشر أو غير مباشر.
2. بل لا ينبغى ابتداء أن يتم التعامل مع نوايا الناقد بل يتم التعامل مع مضمون النقد ودراسته والتفكير فيه والاستفادة منه أو الرد عليه. مهمها اختلفت هوية الناقد وفكره بل وأسلوبه.
3. ومن شان اتساع صدر الجماعة للنقد العلنى أن يعزز ذلك انتماء وحب بنيها لها على عكس ما قد يظنه البعض بان هذا النقد قد يزعزع الثقة او يفتح أبوابا لا ينبغى أن تفتح حتى لا تثير بلبلة فى الصف.
4. فضلا عن أن قبول جماعة الإخوان للنقد يرسم مصداقيتها فى قلب المجتمع ويكسبها الاحترام حتى ممن لا يقتنعون بأفكارها ولا يتبنون مبادئها. ويجعلها تتسم بالشفافية والوضوح.
5. شفافية تستدعى أن لا تجد الجماعة حرجا فى نشر هذا النقد فى وسائلها الداخلية والإعلامية، وإتاحة الفرصة لتلك الانتقادت لتكون محل نقاش وتفكير أمام ناظريها، بدلا من أن تدور النقاشات فى غرف مغلقة أو فى ميادين اخرى بعيدة عن رؤية الجماعة، مما يحرمها من أن توضح بعض الحقائق والملعومات التى من شانها تغيير الانطباع والأفكار.
6. أن تقوم جماعة الإخوان بإعداد وثيقة مجمعة محددة واضحة تحوى كل تلك الاشكاليات التى تثار دوما وتبين بجلاء الموقف منها وتدلل على ذلك بالمواقف على الأرض التى تم تنفيذ هذه المواقف فيها ما وجدت.
7. يتم بعدها عمل تدشين إعلامى ضخم لهذه الوثيقة، عبر الصحف والفضائيات والمواقع، ويصبح لها رابط ثابت فى كل المواقع التى تعبر عن فكر الجماعة شبيهة فى ذلك ب “FAQ” frequented asked question ويطبع لها نسخ صغيرة الحجم سهلة الحمل تتواجد فى كل مكان ولدى كل الأفراد
8. توعية أفراد الصف بأبعاد تلك الانتقادات وموقف الجماعة من تلك القضايا المثارة والممارسات التى تطبقها الجماعة تعبيرا وتطبيقا لتلك المواقف.
9. الانتقال من خانة "رد الفعل" إلى خانة الفعل وتجاوز هذه القضايا الفكرية ودفع المجتمع والمهتمون والإعلام لتجاوزها بالانطلاق لآفاق أبعد فى الأفكار والخوض فى رؤى وتفصيلات تتعلق بهذه القضايا مما يؤكد تبنى الجماعة لتلك المواقف.
ثالثا : دور الأفراد من هذه الانتقادات
1- احرص على أن تكون على دراية بموقف الجماعة من تللك القضايا المثارة ، وجهز ردودك وأدلتك.
2- اعترف بالخطأ فى حال وجوده وحدوثه سواء كان الخطأ فرديا أو تكتيكيا
3- استخدم فى ردودك وحوارك المرجعيات والأدلة التى تناسب محاورك وخاصة الأدلة والمرجعيات المبنية على استخدام العقل والأرقام والوقائع المثبتة تاريخيا.
4- ليكن هدفك الأول من الحوار هو عرض الفكرة والتوضيح وليس الجدال وإفحام الآخرين.
5- حتى لو انتهى الحوار بالاختلاف مع محاورك فابحث عن مساحة من الاتفاق حتى لو على مبادئ عامة والخطوط العريضة.
6- واجهد أن تنصح لجماعتك ما تراه واقعا من تلك الانتقادات والأخطاء، واحرص على أن تبدأ بنفسك لاصلاح تلك الأخطاء.
هذا الموضوع يندرج تحت المشروع الإسلامي .. مشروع حياة, حالة حوار حول الإخوان المسلمين
ياه كم هو جميل هذا القميص الذى اشتراه صديقى من الخارج، أخذت أحدث أمى عن روعة هذا القميص وجماله، فطلبت منى أن أوصفه لها، أخذت أعدد لها مميزاته ومحاسنه "لونه" الرائع الزاهى، "أساور" أكمامه العريضه "أزرته" اللامعة، أيضا "قماشته" الطرية اللينة، و"تقفيلته" المتقنة.
نظرت أمى لى بابتسامة الأم الحنون وأخبرتنى أن لدى فى "دولابى" قميصا مشابها لهذا الوصف، بل يزيد عليه بميزتين أن معه "بنطالا" و "شرابا" و"جاكتا" و متناسقين تماما مع القميص، والميزة الأخرى أن المحل الذى تم شراء القميص منه وضح لها إمكانية إضافة اى محسنات للقميص بحسب الاحتياج والرغبة.
سألتها عن "اللون" عن "الأسورة" عن "الأزرة" عن "قماشته" عن "تقفيلته"، أجابتنى : " نعم هى كلها ذات المواصفات التى ذكرتها فى قميص صاحبك واطلع عليه بنفسك لتتأكد"، فكرت قليلا ثم قلت لها : " هل هو من الخارج؟ " ، نظرت لى وقالت باندهاش "لا، ليس من الخارج، ولكن ما المشكلة فى ذلك ما دام بنفس الكفاءة وهو بالفعل ملكك وموجود لديك"، رددت : "عفوا أمى أريد قميصا من الخارج مثل قميص صاحبى".
القصة السابقة هى فى الحقيقة تمثل جزءا من الاشكالية بين المشروع الإسلامى وبين الأفكار والمشاريع والأفكار والأطروحات الأخرى.
فبالتأكيد لكل مشروع وفكرة جمالها ورونقها، فهناك مميزات للشيوعية ومن خلفها الاشتراكية، وهناك مميزات للرأسمالية، هناك مميزات لليبرالية والقومية والعلمانية والديمقراطية.
كل شيئ من هذه الأفكار له ما يميزه، ولكن ماذا إذا كانت مميزات كل فكرة على حدة من هذه الأفكار موجودة بالأساس فى مشروع واحد، مشروع نملكه ونابع من ثقافتنا وديننا وهو المشروع الإسلامى، الذى يحتوى على مميزات المشاريع الأخرى ويتجنب مثالبها ومساوئها.
لست أقول هذا من قبيل التعصب للفكرة والمشروع الإسلامى، ولكنه حقيقة يدركها من يحلل الأمور بإنصاف وموضوعية بحتة.
حصل المشروع الإسلامى على هذا التميز والقرب من المثالية الواقعية على الرغم من أنه اجتهاد بشرى فى فهم الإسلام كما يراه مقدموه وأصحابه، إلا أن تلك الأفضلية مرجعها أنه قائم على إرشادات ومبادئ وأسس وقيم ربانية، شرعها الخالق عز وجل لخلقه وهو أدرى بهم، وهى مرجعيته الإسلامية.
وحتى يكون الكلام موضوعيا فإن الامر يحتاج لدراسات دقيقة ودعونا نناقش فى هذا الموضوع مميزات كل مشروعه وهدفه وفكرته الأساسية وهل هى موجودة بين طيات سطور المشروع الإسلامى أم لا؟. وفيما يلى سنذكر سريعا أهم مبادئ تلك المشاريع المختلفة.
فإن كانت الشيوعية والاشتراكية تهدف بالأساس لإنقاذ الطبقات الكادحة وتوفير الحياة الكريمة وتحقيق العدالة الاجتماعية.فهل هناك مثل الإسلام من رعى حق الفقراء وآخى بين طبقات المجتمع وساوى بين الغنى والفقير، وشرع ضوابط تضمن للمجتمع التكافل والتعاون بين طوائفه وفئاته؟؟
وان كانت الرأسمالية تهدف بالأساس لتحفيز الاجتهاد والبذل والسعى الدءوب للانتاج والتطوير وتحسين المنتج كما وكيفا، فالإسلام شجع الكسب والتميز وجعل لكل مجتهد نصيب، وحث على إعمار الأرض واستخلافها، ولم يسوى بين العاملين والمتكاسلين.
إلا أنه قوم هذا الحافز بحيث لا تطغى المصلحة الفردية على الصالح العام، وبحيث يكون للمجتمع نصيب ولو قليل من مكاسب هذا المجتهد ليرعى طبقات الشعب المحتاجة والضعيفة، بل حث على استثمار الأموال وعدم حبسها فى البيوت حتى لا تأكلها الزكاة، وحذر من كنز الأموال والذهب والفضة وحرمان المجتمع من الفائدة منها بالانتاج وبتشغيل الأيدى العاملة.
وان كانت القومية تقوم على وحدة جماعة من البشر على اساس اللغة وتهدف لعز هذه الأمة العربية بتوحدها وتعاونها. فإن الإسلام دعى اول ما دعى لقومية أوسع واعم من ذلك هى قومية البشرية جميعا " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا" ولم يرى الإسلام أبدا حرجا فى أن تتكاتف الأيادى وتتوحد فى أى مسعى للخير ومواجهة الظلم، كان هذا التوحد مبنيا على رابطة العقيدة والإسلام، أو كان قائما على وحدة اللغة أو تشابه الجغرافيا.
وإن كانت الليبرالية تهدف لحرية الفكر وحرية اتخاذ القرار وحرية التصرف، فالإسلام فى صلب عقيدته جاء ليحرر البشر من الاستعباد والامتهان، ليكونوا أحرارا لا تنحنى هاماتهم إلا لخالق واحد، وكفل لهم حرية الاعتقاد وهى رأس الشريعة الإسلام، وحرية الممارسات والتصرف، إلا أنه قوم هذه الحرية ووضع لها ضوابط ومحاذير حتى لا تضر بالآخرين ووضع للإنسان القيم والمبادئ حتى لا تضر حريته تلك به هو نفسه.
وإن كانت العلمانية تعنى أن لا يدير الحكم والسياسة رجال الدين، وأن يتساوى أبناء الوطن فى الحقوق والواجبات. فالإسلام ابتداء لم يعرف فى تاريخه مصطلح "رجال الدين" بمفهوم من يملك الدين والتحدث باسمه، بل عرفهم كعلماء للدين، ليس لهم كهنوت ولا عصمة، بل هم بشر يجتهدون يصيبون ويخطئون، وكما لهم مجالهم فى دراسة علوم الدين والاجتهاد فيها، فإنه أقر للسياسة برجالها وللاقتصاد برجاله من ذوى الخبرة والحكمة، وللعلوم الطبيعية بعلمائها، وللاجتماع بأهله "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون".
وضمن لأبناء الوطن الواحد الحقوق والواجبات فكفل للأقليات الدينية فى البلاد الإسلامية حقوقها وواجباتها " لهم ما لنا وعليهم ما علينا". وكان تولى المناصب والوظائف قائما على معيار القدرة والكفاءة، وليس قائما على معيار الدين والطائفية.
وإن كانت الديمقراطية تهدف لحكم الشعب بالشعب، وأن يشارك الجميع فى اختيار حكامه ويحاسبهم إذا اخطئوا، ويقيلهم إذا تنكروا لطموحات الشعب ورغباته، فهذا الأساس قام عليه الإسلام منذ أولى خطواته فى إدارة البلاد، وكان التوجيه للرسول الكريم قائد الدولة حينها " وشاورهم فى الأمر"وفى موضع آخر "وأمرهم شورى بينهم" وجاء الخليفة الثانى عمر ليقر أحقية الشعب فى تغييره فى حال تنكب الطريق وضل عن المسار فطلب منهم إذا راوا فيه اعوجا أن يقوموه، فقام إليه أحد أفراد الشعب قائلا" نقومك بالسيف والله" فقال عمر رضى الله عنه : "الحمد لله الذى جعل من رعية عمر من يقوم إعوجاج عمر إذا أخطأ".
ومع كل ما سبق تميز المشروع الإسلامى بميزتين كبيرتين، الأولى مرونته وقابليته للتعديل والتطوير والأخذ من تجارب الآخرين ومميزات مشاريعهم، دون حرج أو خجل وفى ذات الوقت دون أن ينتهك خصوصيته ويتعارض مع هويته. فأخذ الرسول عليه الصلاة والسلام عن الفرس -عباد النار- "تكتيكا" عسكريا بحفر الخندق حول المدينة كما فعل فى غزوة الأحزاب، وأخذ الخليفة الثانى عمربن الخطاب فى مجال الإدارة من دولة الروم – المسيحية- أسلوب الإدارة بنظام الدواوين والتسجيل، وما فتئ الإسلام يوما عن أن يبحث عن الحكمة فى أى واد كانت، ليهضمها بهويته ومبادئه ويستفيد منها فى مشروعه الكبير، كانت تلك الحكمة فى مجال السياسة او الاقتصاد او الاجتماع أو التربية والتعليم أو .. أو ...
والميزة الأخرى هى أن المشروع ذاته متناسق مع باقى مكونات النفس البشرية، فهو لم يركز على الجانب المادى للإنسان فحسب، بل اهتم أيما اهتمام بتنمية أخلاقه واهتم بالسمو وتزكية روحه، فأصبح المشروع الإسلامى هو المشروع الوحيد الذى اهتم بالفرد على مستوى الروح والجسد، وهو المشروع الذى اهتم به على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والبشرية جمعاء، وهو المشروع الذى اهتم بكل مفردات الحياة العامة من سياسة واقتصاد وتربية وتعليم ومعاملات واجتماع بل وحروب.
ربما علينا جميعا أن نعيد البحث مرة أخرى فى "دولابنا" الخاص لنرى "بدلتنا" الرائعة الحسن والجمال، بكل ما فيها من مميزات ومحاسن، قبل أن نسرف النظر إلى "قمصان" الآخرين.
الأولى أن نعيد قراءة ما لدينا ونعيد فهمه واستيعابه كما يجب، وأن نسعى لنضيف إليه المميزات والمحاسن التى نتمنى إضافتها له، كانت هذه الإضافات من الشرق أو من المغرب، لا بأس مادمت تثرى وتفيد وتضيف دون أن تمس أساس وثوابت ما لدينا.
أما اذا كانت حجتنا فى الإعجاب ب" قمصان" الآخرين فقط أنها من الخارج، فعفوا .. هنا لا أعتقد أننا نملك سوى أن نضع بضع علامات تعجب واستفهام؟؟!!
هذا الموضوع يندرج تحت المشروع الإسلامي .. مشروع حياة, حالة حوار حول الإخوان المسلمين
سجال دائم ومتكرر ما بين مؤيد ومعارض لفكرة النقد العلنى من أبناء الحركات الإسلامية. مؤيد يرى فيه تعبيرا عن حرية الرأى وتجديدا للأفكار وانعكاسا لجو الحرية داخل الحركة الإسلامية، ومعارض يرى فيه اضعافا للصف الداخلى ونواة للانشقاق ويعتقد انه يتيج فرصة للمتربصين وينشر أمورا داخلية خاصة بالحركة والتنظيم لا ينبغى أن تظهر وتعلن.
وما يلى من سطور محاولة لبسط بعض جوانب الصورة من خلال النقاط التالية:
مفهوم النقد؟؟
موضوعات النقد
مشروعية النقد ونماذج من النقد فى القرآن
نماذج من العصر الحديث
كيف يتم التعامل مع النقد
كلمة أخيرة للناقد والحركة الإسلامية
مفهوم النقد العلنى وأشكاله
ليس "النقد" دخيلا على الحركة الإسلامية بل هو موجود فى أدبياتها من قديم باسم "النصيحة" فالنقد فى مفهومه الحديث المستخدم مرادف لخلق أصيل قديم وهو النصيحة.
وقد يتبادر للوهلة الأولى أن مصطلح "النقد" يشير ويقتصر على المعنى اللغوى لها بالرفض او الاعتراض على بعض أعمال الحركة الإسلامية أو أفكارها، ولكنه فى الواقع يتسع ليشمل أى أطروحات جديدة تقدم لأفكار الحركة وأعمالها. حتى يمكن أن نعتبر "النقد" مصطلح يشير الى:
1- الاعتراض على ممارسات خاصة بالحركات الإسلامية
2- أى تبنى وطرح لفكر جديد أو غريب على الخط العام للحركة الإسلامية
محاور النقد
1- الأفكار التى تقوم عليها الحركة الإسلامية وتستقى منها أهدافها ووسائلها وروح العمل فيها.
2- الرؤى الاستراتيجية والخطوات التكتيكية.
3- السياسات الضابطة للحركة.
3- البرامج والمناهج التى تبنى عليها الحركة الإسلامية حركتها التنظيمية وترتبيتها لأبنائها.
4- الاجتهادات التنظيرية على شاكلة برامج الاحزاب والبرامج الانتخابية والمبادرات .
5- اللوائح والقوانين التى تضبط العمل وتحدد معايير شغل المناصب.
6- التنظيم والاجراءات التى تنهجها وتسلكها الحركات الإسلامية
7- الأشخاص سواء كان النقد موجها لشخص المنتقَد أو صفته وممارساته من خلال هذه الصفة.
ومن هذه المحور تبدأ ظهور المشاكل، ففى الحين الذى يكون مقبولا – حتى إن تفاوتت نسبة هذا القبول- النقاش حول الأفكار، فإنه يغلب الترقب إن لم نقل الرفض للانتقاد فيما يتعلق بالتنظيم، سواء كان الامر يتناول لوائحا أو اجراءات أو خطوات تكتيكية. كما يتفاوت رد الفعل باختلاف الأشخاص.
مشروعية النقد ونماذج نقدية من القرآن
"النقد" بأشكاله السابقة وموضوعاته ليس فيه عيب فى حد ذاته بل وقد حث الإسلام عليه فى أكثر من موضع ويروى تاريخ صدر الإسلام الكثير منه، نذكر منه على سبيل المثال لا الحصر
· حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الدين النصيحة ، قلنا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم ).
· موقف الصحابى فى غزة بدر حين قال مخاطبا رسول الله وإمام الأمة "اهذا منزل أنزلكه الله أم هو الحرب والرأى والمكيدة.." ثم قال "إذا ليس هذا بالمنزل ..."
· عمر بن الخطاب رضى الله عنه بعد أن بويع أميرا للمؤمنين يخاطب الناس قائلا: ".. إذا أصبتُ فأعينوني، وإذا أخـطـــأت فقوموني، فقال له رجل من بين الناس: "إذا أخطأت قومناك بسيوفنا
ولسنا هنا فى محل استعراض تلك الشواهد والأدلة التى يزخر بها التاريخ الإسلامى فى ماضيه التليد وأيضا فى حاضره القريب. فالنصح أو "النقد" فى حد ذاته هو أمر مندوب إن لم يصل لدرجة الواجب الشرعى فى بعض الأمور.
وفى السطور التالية نحاول استعراض بعض النماذج النقدية فى القرآن :
1- اتهامات باطلة تصب فى قلب العقيدة الإسلامية، لم يتجاهلها القرآن ولكن صدرت فى صفحاته علنا، فهذا اتهام باطل بأن الله عز وجل اتخذ صاحبة وولدا سبحانه وتعالى عما يقولون، واتهام آخر بأن الله عز وجل يداه مغلولتان " وقالت اليهود يد الله مغلولة، غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء"
2- اعتراض آخر ساقه إبليس مبررا به رفضه لطاعة امر عز وجل له بالسجود لآدم، ذكره القرآن فى آياته " قال انا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين"
3- وتكثر الانتقادات والاتهامات لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتارة يوصف بالمجنون أو الشاعر او الكاهن، فيسرد القرآن تلك الاتهامات ويفندها. يقول الله عز وجل " فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون . إنه لقول رسول كريم . وما هو بقول شاعر , قليلا ما تؤمنون . ولا بقول كاهن , قليلا ما تذكرون . تنزيل من رب العالمين .. "
4- ويعاتب الله عز وجل نبيه على موقفه من عبد الله أم مكتوم، ولم يات العتاب سريا بين الله عز وجل وبين حبيب الله وعبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، فتتوالى الآيات عتابا وانتقادا لموقفه " عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى، اما من استغنى فانت له تصدى وما عليك ألا يزكى، وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى، كلا إنها تذكرة.."
5- ويشاء الله عز وجل ان يحكم تشريعا بالغاء عادات جاهلية حول التبنى ، عادات تقضى بتحريم زواج الرجل من زوجة ابنه بالتبنى، فيحث الرسول –صلى الله عليه وسلم- زيد بن الحارثة -والذى كان قد تبناه رسول- ويشجعه على أن يبقى على زواجه من زينب بنت جحش حتى لا يطلقها ويتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتأتى آيات القرآن معاتبة رسول الله وموضحة " وإذ تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه..".
6- وتدور رحى المعارك وما بين انتصار هنا واخفاقة هناك تأتى الآيات الكريمات بيد حانية تلمس الجرح وتطببه، ولكنها فى ذات الوقت تكشف الداء وتعلنه، فيكون الخطاب للمؤمنين بعد غزوة أحد " اولما اصابتكم مصيبه قد أصبتم مثليها قلتم انى هذا قل هو من عند انفسكم " وتأتى الآيات بعد غزوة حنين معاتبة وموضحة " ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ... "
7- ولم تخل آيات القرآن من ذكر بعض الأمور فى داخل بيت النبى حين طلبت منه زوجاته أمهات المؤمنين رضى الله عنهن أن يزيد فى نفقتهن وأن يوسع عليهن ، فكان توجيه آيات القرآن للنبى الكريم:" يا أيها النبى قل لأزواجك إن كنت تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا .."
8- ويتكرر الأمر فى سورة التحريم حين يروى القرآن ما حدث بين النبى صلى الله عليه وبعض من زوجاته ابتداء من مطلع السورة "يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك والله غفور رحيم" وحتى قوله عز وجل " عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن ... "
وغيرها كثير من آيات الذكر الحكيم ومن السيرة النبوية العاطرة ومن تاريخ صدر الإسلام، شواهد فيها الكثير من الأشياء التى يمكننا اعتبارها أو تسميتها نقدا علنيا .
والتى حين نحللها نجدها تناولت جميع موضوعات النقد ابتداء من الأفكار وفى القلب منها العقائد وهى اعلى درجات الفكر، مرورا بالاجراءات والتحركات والسلوكيات والتصرفات، وانتهاء بالامور الشخصية فى بعض الحالات ومنها بيت النبى الكريم صلى الله عليه وسلم.
وقد يقف البعض عند النقطة الأخيرة تحديدا ويعلل أن نشر امور بيت النبوة الخاصة بهذ الشكل، انما جاء لأن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هى شأن عام لنتعلم منها نستفيد ونستقى التشريعات. وليس بعيدا عن هذا الأمر الحركات الإسلامية التى أصبحت مختارة أو راغبة شأنا عاما ملئ السمع والأبصارن تُحسب عليها حركاتها وتُحلل ويبنى عليها تصورات فى كيفية تعامل الحركات الإسلامية مع المشكلات وآليات إدارتهم للشأن العام فى حال أتيحت لهم الظروف لذلك.
نماذج معاصرة:
وفى واقعنا القريب هناك نماذج ضربت مثالا يجب أن تدرس جيدا فى مجال النقد العلنى حتى وإن كنا نختلف مع أصحاب تلك النماذج كليا، نذكر منها :
1- اعتراف الرئيس "جمال عبد الناصر" بمسئوليته عن هزيمة ونكسة 67 أكسبه المزيد من التأييد الشعبى والتمسك به كرئيس ليدير الأزمة،الذى كان هو السبب الرئيس فيها
2- تقرير " فينو غراد" والذى اعلنته لجنة تقصى الحقائق فى الكيان الصهوينى والذى أدان وانتقد إدارة اولمرت وحكومته لحرب لبنان الأخيرة 2006، ولم تتحرج اللجنة فى إعلان نتائجها علانية برغم تأثيرها السلبى على المجتمع الصهيونى، وبرغم أيضا ان هذا التقرير كان بمثابة شهادة ونوط يوضع على صدر المقاومة الإسلامية، برغم ذلك لم تكتفى اللجنة فى اخراج النتائج بشكل سرى، بل تم عرضه بمنتهى الشفافية أمام الرأى العام والإعلام.
3- الحركة الإسلامية فى الأردن وقد قدم مكتب الشورى الخاص بجماعة الإخوان المسلمين هناك استقالته فى عقب الناتئج الضعيفة التى وصلت لها الجماعة فى الانتخابات التسريعية، قدم مجلس الشورى استقالته اعترافا بتحمله لمسئولية النتائج وأنه لم يدير الملف الانتخابى بالشكل الأمثل، فحاز باستقالته تلك كل التقدير والاعجاب والاحترام بل ومزيد من الثقة من أبناء الجماعة نفسها.
كيف يكون التعامل مع النقد:
ربما ما سبق يعطى إشارة ضوء أخضر للنقد العلنى، وهنا نستعرض كيف يكون التعامل مع هذا النقد والذى يمكن تقسيمه إلى أربعة أقسام:
1- نقد مصيب فيما ذهب إليه
فى هذه الحالة على أصحاب الحركة الإسلامية الاستماع والانصياع له، وإن صح منهم التجرد لله عز وجل وخلصت النيات فلا يضيرهم أن يعترفوا بخطأهم أو صواب ما أُقترح، ومن ثم لا يجدون أى حرج فى أن يتبعوه فالحق أحق أن يتبع.
2- قسم يمثل وجهة نظر خلافية فى امور تقبل أكثر من وجه.
فى هذه الحالة ينبغى أن تطرح الامور المتناظرة وحيثيات كل رأى منها وحجته ووجاهته وأسبابه، وتقابل الحجج بالحجج والأدلة بالأدلة، ولا ضير بعدها أن تتخذ الحركة الإسلامية من هذه النظائر ما تراه أنسب لفهمها وحالها، ويكون ذلك انعكاسا للرأى العام السائد بين أبناء الحركة واقتناعهم، ويصاحب ذلك بالضرورة تربية لأبناء الحركة الإسلامية على ثقافة الاختلاف وتقبل وجود آراء أخرى مختلفة فى داخل الحركة الإسلامية نفسها فى النقاط التى تتعلق بالفروع.
3- نقد مغلوط او مبنى على معلومات ناقصة
ينبغى على الحركة الإسلامية أن تتناوله بالتوضيح والتصحيح، وأن لا تتركه يتضخم ويكبر ويسبب بلبلة ولبسا، حتى تتعزز ثقة أبناء الحركة بها من ناحية ومن ناحية أخرى توضح الصورة للمجتمع الخارجى الذى يرقب الحركة الإسلامية ويعد عليها أنفاسها آملا أن تكون هى الصورة المشرقة لمستقبله القريب.
4- نقد قائم على الاتهامات الكاذبة والسب والقذف
فى هذه الحالة التى يلقى فيها السباب والقذف والاتهامات جزافا بلا دليل ولا بينة، تقيم كل حالة بقيمتها ووقتها وحالها، ففى أحيان كثير يكون السكوت عن الرد عليها هو أبلغ رد، ولكن فى أحايين أخرى يكون من الضرورى الوقوف عليها وردها، وليس المقصود الرد على صاحبها ولكن المطلوب ازالة ما قد تنسجه تلك الاأكاذيب من لبس لدى عموم المتابعين للحركة الإسلامية ولا سيما فى عصرنا الحالى وسهولة وسرعة تناقل الأمور والأخبار.
كلمة أخيرة
ويتبقى لنا فى الختام أن نوجه نصيحة اخيرة لكل من الناصح الناقد من جهة وللحركة الإسلامية من جهة اخرى.
نقول للناصح:
1- جدد نيتك وراجع هدفك وليكن المقصود أهدافا سامية من الإصلاح وتبيان الحقائق، وليس الهدف الهدم أو الشهرة أو غيرها من تلك الأهداف والغايات التى تحط وتحبط من تلك القيمة العالية الغالية للنقد والنصح.
2- اعتمد فى نقدك أو نصحك على الحقائق والدلائل، ولا تعتمد على القيل والقال ورواية فلان وشكوك علان. وتأكد من أن تلم بأكبر قدر من المعلومات والتى تتعلق بالموضوع محل النقد، حتى تتيح لك استقراء الأمر بشكل صحيح.
3- استخدم أحسن الأساليب وأرق الكلمات واستمع لقول الله عز وجل " قل لعبادى يقولوا التى هى أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم"
4- آفة التقييم التعميم، فانتبه أن تقع فى هذا الخطأ العظيم بان تعمم موقفا مررت به أو رأيته على كل الحركة الإسلامية أو على كل أبنائها.
5- ولا يدفعك خلاف شخصى لأن تجور على الحقائق وتذكر قول الله عز وجل " ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى"
6-وابعد بنقدك عن النقد الشخصى، انقد الأفكار وانقد الاجراءات والسلوكيات ، ولكن ابتعد عن نقد الأشخاص ومهاجمة النوايا.
7- تخير الوقت المناسب للنقد والنصح وانتبه جيدا حتى لا تكون ممن قال فيهم الله عز وجل " لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم.."
8- وفيما عدا الأفكار وكان النقد يتعلق باجراءات وتصرفات فاحرص على أن تسلك أولا الطرق المباشرة للنصح والاصلاح الداخلى، ولا يكون النقد العلنى إلا آخر المطاف بعد أن تغلق أمامك الأبواب وتصم لك الآذان.
8- وكن صاحب نموذج وقدم البديل، حتى لا يكون نقدك العلنى مجرد ترصد لاجتهادات الآخرين وأنت فعليا لا تملك اجتهادا ولا تبذل حتى أقل مما يقدموه.
إلى الحركة الإسلامية:
1- ليس كل نقد علنى يهدف إلى تشويه الحركة أو النيل منها، بل على العكس فكثير منه إضافة وإثراء وتطوير وإصلاح.
2- بل لا ينبغى ابتداء أن يتم التعامل مع نوايا النقد بل يتم التعامل مع مضمونه ودراسته والتفكير فيه والاستفادة منه أو الرد عليه. مهمها اختلفت هوية الناقد وفكره بل وأسلوبه.
3- ومن شان اتساع صدر الحركة الإسلامية للنقد العلنى أن يعزز ذلك انتماء وحبه بنيها لها على عكس ما قد يظنه البعض بان هذا النقد قد يزعزع الثقة او يفتح أبوابا لا ينبغى أن تفتح حتى لا تثير بلبلة فى الصف.
4- فضلا عن ان قبول الحركة الإسلامية للنقد يرسم مصداقيتها فى قلب المجتمع ويكسبها الاحترام حتى ممن لا يقتنعون بأفكارها ولا يتبنون مبادئها. ويجعلها تتسم بالشفافية والوضوح.
5- شفافية تستدعى أن لا تجد الحركات الإسلامية حرجا فى نشر هذا النقد فى وسائلها الداخلية والإعلامية، وإتاحة الفرصة لتلك الانتقادت لتكون محل نقاش وتفكير بين أبناء الحركة الإسلامية وأمام ناظريها، بدلا من أن تدور النقاشات فى غرف مغلقة أو فى ميادين اخرى بعيدة عن رؤية الحركة، مما يحرمها من أن توضح بعض الحقائق والملعومات التى من شانها تغيير الانطباع والأفكار.
6- وكما يقال الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أولى الناس بها، فالحال نفسه ينطبق على الحركة الإسلامية التى ما إن ترى فى نصح أو نقد خيرا مما هى عليه فعليها بالفور أن تأخذ به ولا تجد غضاضة فى اتباعه وتنفيذه.
ما سبق هو وجهة نظر فى النقد العلنى ويبقى الميدان مفتوحا للاجتهاد والرأى، وكل الدعاء والرجاء ان يوفق الله عز وجل القائمين على الحركات الإسلامية لكل خير ولما فيه صلاح العباد والبلاد.
هذا الموضوع يندرج تحت المشروع الإسلامي .. مشروع حياة, حالة حوار حول الإخوان المسلمين
قبل أن نبدأ:
1- أعتذر بشدة عن هذا التأخر فى التفاعل مع التعليقات وايضا اضافة الموضوعات الجديدة، وذلك بالاساس بسبب انقطاع ال "دى اس ال" من المنزل كما اخبرتكم فى التدوينة السابقة، ولا زال مقطوعا.
2- بالتاكيد هناك تعليقات هامة فى الموضوع الماضى وأتمنى أن تتاح فرصة لنستدرك الحديث عن الموضوع ونعقب على التعليقات
3- وأخيرا إليكم هذا المقال وقد نشر من فترة قريبة على موقع إخوان أون لاين، وأعتذر إن كان نشره تكرارا، ولكن حتى لا يطول وقت الانتظار دون جديد على المدونة، أتمنى أن يصل ما وراء الكلمات وان تصل الفكرة التى ربما عجزت عن أن أعطيها حقها فى الصياغة.
وغير بعيد عن تلك الصورة سرب الحركة الإسلامية التي تحتاج لكي تحقِّق انتشارًا وعلوًّا وإنجازًا أن يضرب كل فرد من أفراد سربها بكلتا جناحَيه، وألا يعتمد الفرد على جناحٍ واحدٍ دون الآخر واضعًا ثقته فيه وجهده وراءه، غير عابئ أو مقلِّل من دَور الجناح الآخر وأهميته في حفظ التوازن ومساعدة الحركة والدفع للأمام.
كل طائرٍ في سرب الحركة الإسلامية لا بد أن يزاوج في الاستخدام بين جناح التجديد وجناح الأصالة؛ فيجب على طائر الحركة الإسلامية أن يرى في جناح الشباب وقوته وحماسته جناحًا يضرب جنبًا إلى جنب بجوار جناح السن والحكمة والخبرة.
ويرى في جناح الاعتماد على وسائل العصر المتطورة والتكنولوجيا المتقدِّمة جناحًا يضرب جنبًا إلى جنب بجوار الوسائل التي قامت عليها الدعوة في بدايتها وحقَّقت استمراريتها وحفظت بقاءها.
ويعتمد على جناح استخدام لسان المجتمع الحديث من مصطلحات سياسية ومفردات أيديولوجية وأفكار تنظيرية وعلوم تخصصية، كما يعتمد على لسان المحاضن التربوية والمفردات الدعوية والكلمات الإيمانية.
يعتمد على جناح الوسائل والأهداف والتخطيط وإجراء الحسابات ورسم الاحتمالات وتخيل السيناريوهات، كما يرفرف بجناح التوكل على الله وحسن الصلة به والاعتماد عليه والركون إليه.
جناح يتكلم فيه عن الندوات والأحزاب والمدونات والانتخابات والحريات والقوى الوطنية، وجناح آخر يحلِّق بكلمات قيام الليل والورد القرآني والذكر اليومي والدعاء والتقوى.
يعتمد على جناحٍ يشعر فيه بأن هذه الدعوة ملك له وهو ينتمي لها، ولكن على الجناح الآخر لا يفرض وصايةً عليها أو يشعر بأنه الحارس الأمين عليها حتى من بعض أفكار أبنائها.
يعتمد على جناح بذل كل الجهد لإقناع الآخرين من أبناء حركته الإسلامية بأفكاره وآرائه واقتراحاته التي يظن فيها النفع لهذه الحركة، ولكن على الجناح الآخر لا يفرض تلك الأفكار فرضًا ولا يسخط ولا يغضب إذا تم الاتفاق على آراء أخرى تخالف فكرته أو اقتراحه.
يقوم على جناحٍ ينفتح به على المجتمع ويتفاعل ويتشارك ويختلط معه ويمتزج مع أحلامه وآماله وآلامه، وعلى الجناح الآخر لا يضيع حدوده وضوابطه ولا يغيِّر أخلاقياته وآدابه، ولا يُميِّع خطابه ولا يُذيب فكرته ويحذر على نفسه من سلبيات المجتمع التي قد تصيبه إثر هذه المخالطة.
جناح يعتمد فيه على العمل العام بكل تفصيلاته الإعلامية والسياسية والحقوقية والمدنية لإرشاد المجتمع والنهوض به، وعلى الجناح الآخر يؤمن بدور وأثر التربية العميق والبعيد في النفوس فيحرص عليها لنفسه ومجتمعه.
جناح يُعلي فيه من مساحة العقل والتفكير والبحث، وجناح آخر يعيد لهذا العقل صوابه فلا يشط ولا يتجاوز ضوابط الشرع ولا يجتهد فيما ليس أهلاً للاجتهاد فيه.
جناح يستخدم فيه خطابًا مناسبًا لكل حادثٍ، ولغةً تناسب كل مقامٍ، ومفرداتٍ تتناغم مع المحفل الذي تطلق فيه، وعلى الجناح الآخر لا يكون ذا وجهين، ولا يبرِّر بالغاية الوسيلة، ولا يحقِّق المنفعة حتى لو انتفت الوسيلة مع قيم وضوابط مشروعه وفكرته.
على مثل هذا يحلق طائر الحركة الإسلامية الوسطية، ويعلو شأنه في جو الحب والأخوة التي قامت عليها دعوته واستمدت شذاها من روح الإسلام وقيمه.
وأخيرًا.. أوجه نداءً إلى جيل الشباب الذي أنتمي إليه، والذي يمثِّل جزءًا من حاضر الحركة الإسلامية، وعما قريب سيكون هو مستقبلها.. نقول لهم:
علينا أن نظل دومًا في مراجعةٍ على مسافات دورية حتى لا يضل السعي بعيدًا عن الأهداف أو تجرفنا الأحداث فنكسر المنطلقات.
ونداءً إلى شيوخ هذه الدعوة والذين أفنَوا أعمارهم في خدمتها ووقفوا في وجه عواصف المحن حتى تكمل مسيرتها وتنبت شجرتها.. نقول لهم:
الشباب هم عماد الحركة، وأمل التغيير والإصلاح، فتفهَّموا اختلاف جيلهم وفكرهم وثقافتهم، وفي حال ذهابهم بعيدًا بحماستهم قوِّموا جناح جموحهم بحكمة سنكم دون كسر أو خلع.
هذا الموضوع يندرج تحت المشروع الإسلامي .. مشروع حياة, حالة حوار حول الإخوان المسلمين
موعدنا 26 فبراير موعد الحكم فى القضية العسكرية
نرجوك
سنظل نذكركم فى دعائنا عقب كل صلاة وفى أوقات السحر وكل الأوقات التى نأمل أن يستجيب الله فيها لدعائنا
سنظل دوما ندعو يملأ أعيننا قول الله عز وجل: أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون.
سنظل ندعوا بقلب كسير حزين ضاقت به كل الأفق وانقطعت به كل الأسباب ولم يعد له حول ولا قوة إلا حول الله وقوته، سنظل ندعو ونقول: اللهم فك أسر إخواننا المعتقلين واربط على قلوبهم وثبت أقدامهم وكن لأهلهم وعجل بخروجهم وفرجهم وانتقم يا رب ممن ظلمهم.
اللهم لا تخذلنا فيهم ... اللهم لا تسوءنا فيهم .. يارب استجب .. يارب استجب
هذا الموضوع يندرج تحت المشروع الإسلامي .. مشروع حياة, حالة حوار حول الإخوان المسلمين, مصر التى نحب
ووجدت الآن الفرصة سانحة لعرض المقال على المدونة، وأثناء وضعى له فوجئت بوجود موضوع شبيه لدى د. مصطفى النجار حول ذات القضية.
سأذهب لقراءة موضوع اخى الدكتور مصطفى وأدعوكم إلى الذهاب لقراءته ومن ثم العودة هنا لمتابعة هذا المقال، هذا بالطبع إن لم يستحوذ منطق وأسلوب وتنظيم د.مصطفى على ألبابكم وينسيكم أصلا اسم مدونة ومضات (-:
التمييز بين الدعوي والسياسي .. ضرورة أم انحراف ؟
ولست فى حاجة أن أؤكد أن السطور التالية هى تعبر عن رؤيتى الشخصية والتى قد تكون مخطئة بالكلية. والآن أترككم مع
الدعوي والسياسي ... الاشكالية والحل
دارت فى الفترة الأخيرة خاصة بعد طرح برنامج حزب الإخوان المسلمين الكثير من النقاشات حول العلاقة بين الدعوي والسياسي فى تجربة الحركات الإسلامية وفى القلب منها جماعة الإخوان المسلمين، وتنوعت زوايا النقاش والحوار فى هذا الأمر، ولذا كانت السطور القادمة هى محاولة لتجلية بعض الامور وتوضيحها فيما يتعلق بالنقاش فى هذه القضية، وسيكون ذلك من خلال تناول النقاط التالية.
1- تعريف الدعوي والسياسي فى المشروع الإسلامى
2- مناطق التماس بين الدعوي والسياسي
3- الدعوي والسياسي ونداءات بالترك أو الفصل
4- الحالة المصرية والبحث عن الحل الأمثل
أولا: تعريف الدعوي والسياسيى
يعتمد المشروع الإسلامى على فكرة "شمولية الإسلام" والتى تعنى أن الإسلام منهج حياة وأنه ينظم شئون البلاد والعباد، ومن هنا يقوم المشروع الإسلامى فى صياغته الحديثة كما يعرفه الأستاذ حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين على أن الإسلام دين ودولة عقيدة وعبادة ، ووطن وجنس ، وخلق ومادة ، وسماحة وقوة ، وثقافة وقانون . وحكومة وأمة ، ومصحف وسيف...
لذا اتخذ هذا المشروع من كل المجالات المتاحة وسائل لنشر فكرته والوصول لغايته، فكان الدعوي والسياسي من أهم وسائل هذا المشروع.
الدعوي: وهو مصطلح يشير لمفهوم تربية المجتمع على جوهر الدين وارشاد المجتمع للخير والفضائل، ونشر القيم التعبدية والأخلاقية بين طبقاته المختلفة، كان ذلك بالخطاب الوعظى المباشر أو خطب الجمع والمساجد.
وربما يضيف البعض لهذا المصطلح العمل الخيرى كأحد أذرع العمل الدعوي.
السياسي: ولما كانت السياسة فى العصر الحديث هى أحد أهم –إن لم تكن أهم- عوامل التغيير والاصلاح، لذا فلم يتأخر المشروع الإسلامى من اتخاذها كوسيلة لنشر أفكاره وتطبيقها، من خلال ميادين العمل السياسي المختلفة ابتداء من المشاركة فى الانتخابات على مختلف أشكالها تصويتا وترشيحا كانتخابات المجالس المحلية والنيابية وقريب صلة بها اتحادات الطلاب والنقابات المهنية، مرورا بالمشاركة السياسية فى الفعاليات والندوات وانتهاج خط المعارضة السياسية فى بعض الأحيان، وانتهاء بتكوين الأحزاب والمشاركة فى الحكومات والمشاركة فى دوائر صناعة القرار السياسي فى بعض البلدان.
ثانيا: مناطق التماس بين الدعوي والسياسي
هناك ثلاث نقاط تماس تجمع بين الدعوي والسياسي
1- المرجعية: وهى هنا المرجعية الإسلامية من قرآن وسنة وفقه وشريعة، وتمثل المرجعية القواعد والمنطلقات التى يستقى منها السياسي أو الدعوي رؤيته وبرنامجه، كما تمثل تلك المرجعية الضوابط والحدود التى تحكم سيره فى أى من الخطين السياسي أو الدعوي
2- الهدف: وهو فى حالة المشروع الإسلامى بشقيه الدعوي والسياسي يمكن التعبير عنه ببساطة فى هدفين استراتيجيين على المدى البعيد وهما إصلاح العباد وإصلاح البلاد. ويكون ذلك عبر إعداد الفرد المسلم فالبيت المسلم فالمجتمع المسلم فالحكومة المسلمة..
وهنا يجدر التأكيد على أن الدعوي أو السياسي فى حالة المشروع الإسلامى مهما بلغت انجازاته ليس هدفا فى حد ذاته وإنما هو وسيلة للوصول للهدف الاستراتيجي الأسمى.
3- التنظيم والادارة: وهى العلاقة التى تدير وتحكم العمل بين الدعوي والسياسي، وتنظم تعامل أفراد المشروع الإسلامى مع هذين الشقين.
ثالثا: الدعوي والسياسي ونداءات بالترك أو الفصل
أمام هذه العلاقة المشتبكة بين الدعوي والسياسي فى نقاط التماس تلك، كانت هناك نداءات مختلفة لفض هذا الاشتباك، ومنها:
1- ترك أصحاب المشروع الإسلامى للعمل السياسي
وعلى الرغم من التقدير لمن ينادى بهذه الدعوة، إلا أنه أصبح من غير المقبول، بل ومن الصعب أن يتراجع أصحاب المشروع الإسلامى عن مساحات الأرض التى اكتسبوها فى مجال العمل السياسي حتى وإن رأى البعض بأنها قليلة أو غير مجدية ومؤثرة. فترك العمل السياسيى سيعتبر بمثابة انتكاسة وعودة للوراء بالمشروع الإسلامى ذاته، فضلا عما سيمثله ذلك من خذلان للمشروع الوطنى السياسي وإعادة تقليص مساحات الحريات وإضعاف صوت المعارضة.
أضف إلى ذلك اعتبار المنبر السياسى فى العصر الحديث كأهم ما يمكن به الامر بالمعروف والنهى عن المنكر، وهو ما عبر عنه قديما الخليفة الثالث عثمان بن عفان بقوله: "إن الله ليزع بالسلطان ما لايزع بالقرآن"
2- الفصل بين السياسي والدعوى "شمولية الفكرة لا شمولية التنظيم"
حل آخر يقترحه البعض بدلا من ترك العمل السياسي بالكلية أن يتم فصل الدعوي عن السياسي.
وبالنظر لنقاط التماس التى ذكرناها سابقا، فلا يجوز الفصل فى المرجعية. وإلا سمى السياسيى فى هذه الحالة بأى اسم غير أن يوصف بالإسلامى، فالسياسي الإسلامى يستمد من تشريعات الإسلام مرجعيته، فهو لا يترك قيمه وأخلاقياته فى هذا المسار، ولا يتخذ من الغاية مبررا لاستخدام أى وسيلة حتى لو كانت غير مشروعة، ولا يعتمد المخادعة والكذب والتضليل مبادئا لعمله السياسى.
كذا الدعوة بفصل السياسي فى الاهداف، يحيد بالسياسيى الإسلامى عن وجهته خاصة مع إيمان المشروع الإسلامى بأن السياسي ليس إلا وسيلة للوصول للأهداف كما ذكرناها سابقا.
ويبقى الخيار المطروح هو الفصل بين الدعوي والسياسي تنظيميا وإداريا، بمعنى أن يكون الدعوي كما هو الحال عليه فى جماعة كجماعة الإخوان المسلمين مثلا، ويكون السياسي من خلال كيان مستقل تماما فى القرار والإدارة عن الجماعة الدعوية.
وتتعدد مبررات من يرى بفصل السياسيى عن الدعوي تنظيميا، نذكر منها سريعا:
1- طغيان الجانب السياسي والاهتمام به على حساب الدعوي فى حال الجمع بينهما إداريا، مما يؤثر على الدور الأهم للدعوي تجاه تربية المجتمع وتنشئته على القيم والأخلاق
2- البطشة الأمنية التى تنال المشروع الإسلامى وتؤثر على شقه الدعوي، بسبب الارتباط التنظيمى بين الدعوي والسياسي، والذى يعتبر الأخير سببا رئيسا لبطش الحكام لاعتبار المشروع السياسي الإسلامى فى أغلب الأوقات متضمنا تحت المعارضة السياسية، ومهددا لمصالح الحكام وسلطاتهم.
3- ثقافة المجتمعات السائدة، والتى تتعامل دوما مع الجوانب السياسية بشيئ من الحذر والخوف، مما يجعل هذا الشعور يمتد ليشمل الجانب الدعوي فى حال اتصاله إداريا وتنظيميا مع الجانب السياسي
4- احتياج الشق السياسي لمرونة أكبر وسرعة حركة يقيدها ويبطئ منها ارتباط السياسي بالدعوي فى بعض الأحيان
5- وجود بعض الاختلافات فى الأهداف المرحلية والتكتيكية بين الدعوي والسياسي، مما يجعل حسم هذا الاختلاف يأتى بالضرورة لحساب جانب من الاثنين على الآخر.
6- انفصال السياسي يتيح فرصة أكبر لمشاركين من خارج أبناء المشروع الإسلامى والذين يتفقون مع المشروع السياسى حتى وان اختلفوا مع الدعوي، وهو ما يعكس نجاحا للمشروع الإسلامى فى أن يصبح تبنيه أمرا عاما ليس مقصورا على أبناء المشروع الإسلامى فحسب.
7- تأثر صورة الدعوي سلبا فى حال مزجها بالسياسي، وإمكانية امتداد الخصومة بين البعض والفكرة السياسية الإسلامية لتشمل الدعوى المرتبط به، ونقل الداعية من خانة الواعظ الناصح لخانة الخصم والمعارض السياسي.
رابعا: الحالة المصرية والبحث عن الحل الأمثل
قد تبدو فكرة الفصل بين الدعوي والسياسي منطقية ومبررة، بل وأيضا مثالية، ولكن يجدر أن لا تكون دراسة هذه الاطروحة مجردة عن الواقع الذى نحياه فى مصر والحقبة الزمنية التى نمر بها. والتى من ملامحها :
1- نظام حكم فردى، يسيطر عليه حزب واحد له رؤية معينة، ولا يتيح فرصة للتعددية السياسية ويستخدم الإجراءات الأمنية لحسم الصراعات السياسية ولفرض نفوذه وسيطرته.
2- شعب فى أغلبه غير مسيس، ولا نعنى هنا بأن الشعب بعيد عن متابعة الأحداث السياسية والحديث حولها، ولكن نعنى أنه من الممكن أن يتحرك الشعب لما يمس لقمة عيشه بشكل مباشر كما رأينا مؤخرا مجموعة من التظاهرات والاعتصامات العمالية، ولكنه بعيد كل البعد عن أن يتحرك لدوافع سياسية حتى وإن كانت تمس حياته الشخصية على المدى البعيد من تعديلات دستورية أو حتى قرارات سياسية برفع الدعم عن السلع الأساسية.
حتى أبناء جماعة الإخوان المسلمين كأحد اكبر الحركات الراعية للمشروع الإسلامي، يكون تحرك غالبية أبناؤها فى العمل السياسي ليس مبنيا على منطلقات ورؤية سياسية صرفة.
3- عملية انتخابية يلعب فيها الطابع القبلى والاحتياجات الشخصية دورا رئيسيا، مع انتشار نسبة الأمية حتى يكون الاختيار بين المرشحين بناء على رموز انتخابية "الجمل والمسدس .."
4- واقع عالمى، مصر ليست بعيدة عنه من محاربة للمشروع الإسلامى الوسطى ومحاولة اجهاض وافشال مشروعه السياسي.
وقبل أن نعرض لطرح آخر لحل الإشكالية بين الدعوي والسياسي، يجدر بنا الاتفاق على بعض الضوابط لاختيار هذا الحل :
1- أن لا يكون التفكير فى الصورة المثلى للحل انتصارا لرأى شخصى على حساب المنطق والمصلحة العامة
2- أن نتذكر أن كلا الأمرين الدعوي والسياسي ليسا سوى وسائل لأهداف وغايات أكبر
3- أن لا يتحول الحفاظ على الوسيلة إلى هدف فى حد ذاته، يطغى على التفكير فى الوصول للهدف الأصلى
4- ولكن أيضا علينا أن ننتبه إلى أنه ما لا يتم الواجب به فهو واجب
5- أن لا يكون الحل مبنيا على الورق والنظريات أو حتى على اقتباس بعض التجارب من هنا أو هناك، ويكون هذا بمعزل عن واقع المكان الذى يتم دراسة الحلول فيه
6- أن الخيارات فى الحل ليست اختيار صحيح وخاطئ، بل لكل حل وجاهته ومميزاته وعيوبه، ولذا سيكون الاختيار فى الأغلب ما بين صحيح وأصح وأنسب.
7- أن يكون النقاش حول الحيثيات والأفكار، وليس بحثا أو تقليبا فى الضمائر والسرائر
o بعد ما سبق واستعراض أهم مبررات الفصل بين الدعوى والسياسي، مع الوضع فى اعتبار خصوصية الحالة السياسية المصرية وملامحها وكذا ضوابط اختيار الحل الأمثل.
أرى أن التخصص هو الحل الأنسب والأصح للوضع المصرى الراهن وفى المرحلة الزمنية الحالية.
ويرجع ذلك للتالى:
1- أن العمل السياسي لا يتجاوز 10% فى حجمه بين المستهدفات الرقمية للمشروع الإسلامى، وأنه لا يمثل سوى قمة جبل الثلج ولكنه يمثل الجزء الظاهر والذى يسلط عليه الإعلام فى أعمال المشروع الإسلامي، فى حين يختفى أكثر من 90% من العمل وهو الجانب الدعوي والخدمى والاجتماعى تحت السطح بعيدا عن الأضواء، وبالتالى لا يُخشى على تأثر الدعوي بالسياسي.
ولعل القريبين من دوائر ادارة الأعمال والخطط فى جماعة كجماعة الإخوان المسلمين يلمسون هذه النسب فى مستهدفات خططهم وأعمالهم.
2- أن النظام الحاكم لا يفرق بين المشروع السياسي المعارض وهل هو إسلامي أم غير إسلامي، ولا يميز فى الإسلامى منه ما بين هو إخوانى التنظيم أو لا. فالكل يصنف تحت خانة المعارضة التى لا يجب أن يسمح لها بالتواجد والحركة، ودليل على ذلك رفض لجنة الأحزاب ل 11 حزب معارض ليس بينها سوى حزب إسلامى وحيد وهو غير إخوانى التنظيم.
فلن يضيف فصل السياسي عن الدعوي مساحة للسياسي وإمكانية قبوله فى الحياة السياسية.
3- أن محاربة الدعوى لا تنبع فحسب من اقترانه بالسياسي، وانما هناك محاربة للدعوي فى حد ذاته مرجعها أمرين، الأول مسحة من الفكر العلمانى، واستخدمت كلمة مسحة لأن النظام لا يعطى للفكر مساحة كبيرة فى قراراته وتصرفاته.
والثانى هو تعامل النظام مع الدعوى –حتى الخالى منه من السياسة- على أنه وسيلة لتجميع الشعب وإيقاظه من سباته حتى لو كان ذلك من بوابة القيم والعبادات، وهذا ما لا يريده النظام أيا كان مسماه أو غايته.
والمثال على ذلك نموذج ا.عمرو خالد وايقاف نشاطه الدعوى فى مصر فى فترة ما اضطره للسفر إلى خارج مصر لكمال هذذا النشاط، برغم أن عمرو خالد هو الصورة التى يدعو البعض جماعة الأخوان المسلمين للتشبه بها فى فصل الدعوي عن السياسي، كذا سيطرة الدولة على منابر الدعوة واضاعتها فى المجمل لقيمة خطبة الجمعة ومكانة الأزهر و...
حتى وإن تم الفصل بين السياسي والدعوي فسيظل فى عقلية النظام أن الدعوي هو الرافد والمنبع الأساسي للسياسي، والذى سيظل معنيا بتجفيفه والقضاء عليه بالبطشة ألأمنية والهجوم الإعلامى.
4- أن الحالة المصرية تحتاج لدعم شعبى هائل وقوى لمشروع سياسي يخرجها من دائرة الحزب الواحد والتسلط التى تعيشها مصر الآن، ولن يتأتى ذلك الدعم الجماهيرى والتأييد الشعبى فى الوقت الراهن لمشروع سياسي فكرى على حدته أيا كانت أيدلوجيته، حتى وإن كان رائعا كل الروعة فى برنامجه وطرحه، فى ظل شعب ينأى بنفسه عن خوض غمار السياسة بمفهومها الصريح والمباشر.
5- أنه من شأن وجود رابط بين الدعوي والسياسي ، أن يعمل على تغيير الثقافات السائدة لدى المجتمع من البعد عن الحياة السياسية والخوف منها ورهبة المشاركة فيها، وذلك من خلال قيمة عقائدية بضرورة الإصلاح ومحاربة الفساد وإنكاره والوقوف فى وجه الظلم والتصدى له.
على أن هناك مجموعة من الملامح الهامة التى تحفظ للتخصص صفته ولا تضيع أثره وتضل طريقه:
1- أن يكون للسياسي خصوصية كاملة فى اتخاذ قراراه وتبيان موقفه واطروحاته، ومن ثم عرض تلك المواقف على دائرة صنع القرار والتى تراعى خصوصية هذا الملف وخصوصيته العلمية.
2- مع حفاظ السياسي على مرجعيته وأهدافه، أن يكون له لغته الخاصة التى تناسب قواعد اللعبة السياسية، وأن لا يغلب على خطابه استخدام مفردات الدعوي أو الوعظى.
3- أن يكون للسياسي رجاله المختصون بهذا الأمر، ممن لديهم القدرة والكفاءة والدراسة العلمية لجوانب هذا المجال.
4- أن يتم تنمية الجانب السياسي لدى عموم أبناء المشروع الإسلامى، ليس بهدف أن يعملوا جميعا به ويتخصصوا فيه، ولكن حتى يتوفر لديهم على الأقل القدر الأدنى من المعلومات المطلوبة لاستيعاب هذا المجال وطبيعته، و تفهم لغته السياسية وأهدافه التكتيكية المرحلية والتى قد تختلف عن لغة وأهداف الدعوي المرحلية.
5- أن يكون لدى الجزء السياسي القدرة على توفير مساحة مناسبة للمشاركة من قبل من يتعاطف مع البرنامج السياسي حتى وإن كان غير متفق مع الجانب الدعوي، وحتى عن كان قبطيا يختلف تمام الاختلاف فى العقيدة مع المشروع الإسلامى.
هذا وسيظل السؤال عن العلاقة بين الدعوي والسياسي، دوما سؤالا متجددا وستكون اجابته مرهونة بتغير الحال والظروف. ولكن يبقى الأهم هو أن لا ينشغل أبناء المشروع الإسلامى بشقيه الدعوي والسياسي بالبحث عن إجابة هذا السؤال تاركين ميدان العمل والاجتهاد، وأن لا يكون نقاش هذه النقاط من قبيل الترف الفكرى، وإنما يكون هناك عمل دءوب يصاحب التفكير عن الحل الأمثل رغبة فى تطوير المشروع الإسلامى والارتقاء به.
------------------------------
مراجع لمزيد من الاستيضاح حول هذا الموضوع
:
1- لهذه الأسباب.. لا سياسة في الدعوة! علاء سعد حسن
2- أيها الإخوان: لا تتركوها .. فقط افصلوها علاء سعد حسن
3- الدعوة قبل السياسة .. ولكن؟؟ د.رفيق حبيب
4- الدعوي والسياسي.. نقطة التنظيم الحرجة د.رفيق حبيب
5- الدعوي والسياسي من منظور دعوة الإخوان ا.سيد نزيلى
6- عَوْدٌ على بَدْء.. هل يجوز فصل السياسي عن الدعوي؟ ا.سيد نزيلى
7- العوا: أدعوا الإخوان لترك العمل السياسي حوار مع د.محمد سليم العوا
8- العريان: العمل السياسي سبيلنا للإصلاح حوا مع د.عصام العريان
9- الإخوان المسلمون وتحديات المستقبل د.عصام العريان
10- معايير نجاح الحركات الإسلامية .. الإخوان نموذجا ا.إبراهيم الهضيبى
هذا الموضوع يندرج تحت المشروع الإسلامي .. مشروع حياة, حالة حوار حول الإخوان المسلمين, مصر التى نحب
منذ عام وفى مثل هذه الأيام، وفى لحظات تسبق وقت الفجر، استيقظت وذهبت إلى جهاز الكمبيوتر وقتحت موقع "إخوان اون لاين" لأتصفح جديد ما فيه، لأفاجأ بخبر كالصعاقة بوفاة دكتور حسن الحيوان بعد أيام من الافراج عنه من اعتقال طال لاكثر من 9 شهور.
منذ عام تساءلت بقلب ينتفض ودمع يملأ العين، ترى هل سينام بعد موت جلادوك يا د.حسن؟؟
كنت أظن إنسانا كائنا من كان مهما توحش قلبه واسودت روحه وانطمست سريرته لن يتحمل أن يفكر مجرد التفكير فى أن د.حسن توفى بعد 9 شهور من ظلمه واعتقاله وحبسه له.
ولكن مرت الأيام فإذا بجلاديه يغطون فى النوم غير عآبئين ولا منتبهين ولا مهتمين، ليضيفوا فى ركب الظلم إلى الدكتور حسن مئات ومئات.
مرت الأيام فإذا بجلاديه يحيلون العشرات من أشراف مصر إلى المحاكم العسكرية ويتحفظون على أموالهم ويستمرون فى نهج البطش والظلم والاعتقال.
أتذكر فى هذه اللحظة استشهاد مسعد قطب و طارق الغنام. تدور فى ذهنى صورة أحمد صابر
يطوف بخاطرى استشهاد سيد قطب وعبد القادر عودة
وأظل أتساءل يا د. حسن ..
قل أي شيء، ولكن لا تقل إنَّ هذا الخبر والعنوان هو إعلان نعي ورثاء الدكتور حسن الحيوان، بالتأكيد بالتأكيد أنا مخطئ، وحتى اللحظة وبعد اللحظة أنتظر مَن يخبرني أنَّ ما قرأته خاطئٌ، وأن ما علمته حلمًا أو كابوسًا وليس واقعًا.
ربما تلك الدموع المنهمرة من عيني هي ما يحجب الرؤية عني جيدًا، ويجعلني أتوهَّم أن الاسم هو لذات الشخص، ولكن إنْ تشابَهَ الاسمُ فهل تشابهت الصورة المرفَقة في الخبر أيضًا؟!
ربما تلك الدموع التي تسيل على وجنتَي ستجعلني أستيقظ الآن لأجد أنَّ كل ما قرأته هو محضُ كابوسٍ مريع بشع، وسينتهى فور أن أفيق.
تُرى هل رحل فعلاً دكتور حسن الحيوان؟! رحل بمعنى الموت؟!
رحل بمعنى أنه أصبح أثرًا بعد عين، وطيفًا بعد واقع؟!
رحل بمعنى أنه بالفعل قد فاضت روحُه وذهبت إلى بارئها تشكو له ظُلم جلاَّديها وجور وطغيان ما فُعل بها؟!
هل رحل الدكتور حسن الحيوان بمعنى أن قلبَه الرقيقَ الذي عانَى من السجن والحبس والظلم والقهر قد سكَن وقد توقف عن الحركة فعلاً ولم يستطع أن يتحمَّل أكثر هذه الحياة المهينة وهذا الظلم البين؟!
هل رحل الدكتور حسن الحيوان فعلاً ليترك أسرتَه وأهلَه غير ممنين أنفسهم بعودته مرةً أخرى، وهم لتوِّهم قد أنِسُوا بعودته منذ ما لا يزيد عن 5 أيام بعد أن حُرموا منه على مدار أكثر من تسعة شهور سجينًا مظلومًا في أيدي سلطة ليس لها قلب ولا تظن أنها يومًا ستلاقي ربًّا؟!
أواااه.. أواااه.. أواااه!!
ماذا ستقول الكلمات؟ وبم ترثيك العَبَرات يا دكتور حسن؟! ونحسبك قد قضيت شهيدًا باذلاً لدعوتك، مفنيًا عمرك وكل ما تملك رخيصًا لعزة دينك ورفعته.
ماذا سيقول المعزُّون؟ وماذا سيكتب الكاتبون وقد رحلت ونحسبك قد أديت أمانتك وعاهدت على نصرة دينك فوفَّيت بوعدك وصدقت في كلمتك؟!
ماذا سيقول أبناؤك وأحباؤك وإخوانك وقد كنت رجلاً وعشت رجلاً، وأبيت إلا أن تموت رجلاً، هامتُك مرفوعةٌ إلى السماء ورأسك بعزٍّ لم ينحنِ لظالم ولم يخنع ولم يركع لغير خالقه ومولاه.
لن نقول إلا ما يُرضي اللهَ الذي كان شعارك دومًا في الحياة أنه غايتك، نقول ما تعلمناه عن رسولنا الذي كان شعارك يومًا أنه قدوتك، نقول ما نتعلمه من آيات قرآننا والذي جعلته دومًا دستورك وشرعتك.
نقول ما يسرِّي عن قلوبٍ آلَمَها الخبرُ وفجعها النبأ، نقول بكلماتٍ بل هي آهات: إنَّ العينَ لتدمع، وإنَّ القلبَ ليحزن، وإنا لفراقك يا دكتور حسن لمحزونون محزونون محزونون، ولا نقول إلا ما يُرضي ربَّنا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، إنا لله وإنا إليه راجعون، إنا لله وإنا إليه راجعون.
أما أنت أيها الدمع الذي يملأ المآقي والعيون فلا تهدأ ولا تبرد، وكن حِممًا مصهورةً تصبُّ الدعاء صبًّا على الطغاةِ والظالمين، على البُغاةِ المعتدين العابثين، فدعوة المظلوم لا يقف أمامها ساترٌ ولا حجابٌ وهي لا شكَّ مسموعةٌ مجابةٌ من ربِّ العباد، فكيف بها وقد سبقتها روح المظلوم بين يدي بارئها شاكية.
تُرى هل ينام بعد يومنا هذا جلاَّدوك يا دكتور حسن؟! تُرى هل سيغمض لهؤلاء جفنٌ ويرتاح لهم خاطرٌ ويهنأ لهم بالٌ؟! قد أقسموا أن يحيلوا حياتك جحيمًا وبؤسًا وظلمًا وقهرًا، وقد فعلوها.. وها أنت الآن ترحل وتترك لها دنياهم، فتُرى هل سيرتاحوا الآن؟!
صدقت يا دكتور وأنت تقول في رسالةٍ لك من خلف قضبان سجنك:
"بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ أيها الإخوان: الثقة.. الثقة في نصر الله.. الأمل.. الأمل في موعود الله: اعلموا أن دولةَ الظُّلم ساعة، وأن دولة الحقِّ إلى قيام الساعة، وأنه لن يضيعَ حقٌّ وراءه مُطَالِبٌ، وأنه لن يموتَ غرسٌ غَرَسَه اللهُ بيده، وأن الله لن يخذلَ جنودًا جاهدوا في سبيله وضحَّوا من أجل إعلاء راية الإسلام وإنَّ غدًا لناظرِه لقريب".
صدقت يا دكتور، فلا والله لن يضيع حق وراءه مطالب، لا والله لن يموت غرس غرسه الله بيده، لا والله لن يخذل الله جنودًا جاهدوا في سبيله وضحَّوا من أجل إعلاء راية الإسلام، ولن يخذلك.
ألا فلا نامت أعين الظالمين.. ألا فلا نامت أعين الظالمين، فلها يومٌ عما قريب تشخص فيه، ذليلةً نفوسهم، منكسةً رؤوسهم، يصدق فيها موعود الجبار المنتقم ﴿ولا وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43)﴾ (إبراهيم).
عزاؤنا أنك قد رحلت يا دكتورنا الحبيب ليزدادَ برحيلك عزمنا عزمًا، ويزداد برحيلك إيمانُنا إيمانًا بأن نصر الله وفرجه لا شك واقع وقريب.
عزاؤنا أنك قد رحلت إلى الخالق الكريم برحمته الواسعة، وقد نزلت بأكرم الأكرمين وأجود الأجودين، وكلنا دعاء ورجاء أنه- عزَّ وجلَّ- سيُكرم نُزُلَك ويوسع مدخلك ويغسلك بالماء والثلج والبرد وينقيك من الذنوب والخطايا كما ينقَّى الثوب الأبيض من الدنس، ويبدلك دارًا خيرًا من دارك ويجازيك خيرًا عن كل ما قدمته لنصرة دعوتك وللتمكين لدين الله في أرضه.
وداعًا دكتور حسن، سائلين المولى أن يجمعنا بك مع نبيه على حوض الكوثر، نشرب عندها شربةً هنيئةً مريئةً لا نظمأ بعدها أبدًا.
وداعًا يا دكتور حسن؛ ليكون رحيلك مصداقًا لقول ربنا: ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾ (الأحزاب)
هذا الموضوع يندرج تحت المشروع الإسلامي .. مشروع حياة, حالة حوار حول الإخوان المسلمين, مصر التى نحب, ومضات شخصية
1- يبدو ان شاهنشى زعل لما طلبنا منه أن يغير عنوان تدوينته من "لحظة من فضلكم .. أيها المدونون" إلى "أيها المدونين" حفاظا على اللغة العربية، وقال لو كنت أريد نصيحته فكان بامكانى ان اخبره هاتفيا أومباشرة بدلا من نشر الموضوع فى المدونة.
سامحنى يا أخى العزيز شاهنشى، وان شاء الله احاول مش أكررها بعد كده،
وعلشان خاطرك ولأنك عزيز عليا قررت أن أغير لك قواعد اللغة العربية لتصبح "أيها المدونون" .. صحيحة وليست خطأ
يللا يا عم مبروك
"ملحوظة السطر الأخير تم تعديله فى التدوينة بعد تعليق كتبه الدكتور حر على الموضوع، مش لازم تتعبوا نفسكم وتقرأوه، وخاصة شاهنشى"
(-:
ولقد توعدنى شاهنشى بان يتعقب ويتتبع أخطائى الإملائية، مما سيجعلنى فى الفترة المقبلة أكتب تحت ضغط الخوف من السقطات النحوية والتى سيستغلها شاهنشى فيما أعتقد أسوأ استغلال، لذا ساحاول أخذ أقصى درجات الحيطة والحذر نحويا ولغويا من الىن فصاعدا حتى لا أحقق لشاهنشى نشوة التشفى فى. "مش عارف لماذا تضطهدنى يا شاهنشى !!! حاجة غريبة فعلا"
2- وبمناسبة النحو والإملاء سنتناول فى هذه المرة الجزء الثانى من الجزأين الخاصيين بموضوع الإخلاص والعمل العام هل يلتقيان، ويمكنكم مراجعة الجزء الاول عبر هذا الرابط
بالمناسبة صحيح هى "جزأين" ولا "جزئين" ما رأيكم ؟؟؟
يمكنكم متابعة الرابط التالى لتسهيل قواعد الهمزات
قواعد كتابة الهمزة المتوسطة
3- الجزء الثانى طويل بعض الشيئ حيث أنه مقسم لثلاثة أقسام
القسم الأول: خطوات عملية للشخص الذى يجد تلك المشاكل وكلنا هذا الشخص "مهم جدا قراءته" هيا قراءته مكتوبة صح كده ؟؟!!
القسم الثانى: خاص بدور المجموعة تجاه الشخص الذى يعمل فى العمل العام "يمكن قراءته لاحقا حتى لا يكون الموضوع طويلا"
القسم الثالث: صورة أخيرة .. خلاصة الكلام " مهم جدا جدا حتى لو لم تقرأ اى شيئ فى الموضوع يمكنك ان تكتفى به"
نكتفى بهذا القدر من الاطالة وندخل فى صلب الموضوع
بعد ما استعرضناه فى المرة السابقة من تعيين للمشكلة وأسبابها ونتائجها، نحاول هذه المرة أن نتوقف عند بعض وسائل تجنبنا الوقوع فى هذه المشكلة من البداية أو تساعد في علاجها بشكل عملى فى حال وجودها .
وينقسم العلاج لجزأين.
جزء يقوم على الفرد ذاته، وآخر يقوم على المجموعة
أولا: علاج قائم على الفرد ذاته: "قبل العمل – أثناء – بعد "
1-كل شيئ قابل للعلاج
إن كان بك واحد من تلك الأمراض التى ذكرناها أو كلها فعليك أن توقن بداية أنها ليست صفات جبلية دائمة لا يمكن علاجها أو التغلب عليها، بل العكس هو الصحيح، فمهما كان عندك من تلك المشاكل فيمكنك أن تعالجها وتتخلص منها إن توفرت لك نية صادقة للعلاج وعزم أكيد عليه ، إذا سلكت السبل وجاهدت نفسك وبذلت للتغلب عليها.
2-كن صريحا مع نفسك وحريصا عليها
لا بد إن قررت أو قدر لك أن تخوض ميدانا من ميادين العمل العام، أن تتسم مع نفسك بأعلى درجات الحيطة والحذر والمراقبة والصدق والصراحة.
حتى إذا ما شعرت أن نفسك بدأت تحيد بك عن الطريق أن توقفها عند حدها وأن تراجعها حتى لا تضل طريقك لهدفك الأسمى وهو رضا الله ونول ثوابه وجنته.
احرص أنت على نفسك فمهما بلغ اهتمام الآخرون بك وحرصهم عليك فلن يكونوا أدرى بك منك، كن حريصا على نفسك حتى ولو كان آخر العلاج أن تترك هذا الميدان إن فشلت فى مجاهدة نفسك وضبط أهوائها ونزواتها.
3-لا تطلب العمل
لا تحاول أن تسعى أنت للوصول لمثل تلك الأعمال، وان كان هذا لا يمنع أن يكون للإنسان طموح تجاهها، طموح مرتبط بضوابط النية وضوابط العمل والرغبة فى التقدم بالمشروع الإسلامى لا الرغبة فى نجاح شخصى.
ولكن دون أن يفرض نفسه على تلك الأماكن ويسعى إليها مستحثا الخطى، حتى إذا جاءته وهو أهل لها شعر بأنها نعمة من الله أن هيأ له هذا المكان يقدم فيه لدعوته ما يقربه من ربه خطوات وخطوات.
وإن لم يكن أهلا لها أعذر إلى الله أنه لم يطلبها ولم يتحرك لها، ولكن هكذا قدر الله وسأل الله عونه وتوفيقه على أداء حق مثل تلك الأعمال.
" ... فلا تزكوا أنفسكم، هو اعلم بمن اتقى"
4-تجديد النية .. لا تحول النية لعادة
نقول دوما أنه بالنية تتحول العادات لعبادات، ولكن أيضا ينبغى أن ندرك تماما أنه بمرور الوقت تتحول لدينا - من أسف - النيات للعادات، فيصبح التذكير بالنية فى بداية أى عمل هو من قبيل العادات والفقرات الثابتة التى تسبق الأعمال، دون وقوف حقيقى عند المراد بتجديد النية وهو محاولة استحضار النفس والهمة وتجميع الهدف والغاية من العمل بان تكون خالصة وموجهة لله رب العالمين.
لذا علينا أن نجدد النية دوما قبيل الأعمال ولكن ليس بالشكل الروتينى التى يحولها لعادة، ولكن ان يتم تجديدها حقا باستحضار العقل والقلب والفكر والعاطفة فى محاولة لإدراك وإخلاص النية لله عز وجل.
5-الدعاء
وهو المفتاح السحرى لعلاج هذه المشكلة، فإن كانت المشكلة بالأساس هى مشكلة قلبية، فإن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وهو القادر على أن يعصمها من أن تقع فى ذلك الزلل، ولذا كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم "اللهم إنا نعوذ بك من ان نشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه" فى إشارة للشرك الخفى وهو أن تختلط نية التوجه بالعمل لله عز وجل بنوايا أخرى.
ومنها دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبى على دينك"
6-تذكر ذنوبك
بعد انتهاءك من العمل وشعورك بالانتشاء والفرح لنجاحه أو ظهوره بشكل طيب وخاصة أننا نتكلم عن عمل عام يشاهده الآخرون ويثنون عليه، فينبغى عليك أن تفطن لنفسك تماما حينما تحاول التبختر بهذا الانجاز وتنتشى به، وعليك أن تذكرها بذنوبها التى طالما قارفتها فى حق الله وفى حق الآخرين وفى حق نفسها، تذكرها بتفريطها وتقصيرها فى جنب الله، تذكرها بما تعلمه أنت عن نفسك ولا يعلمه عنك الآخرون، وتتخيل لو أن الله كشف عنك ستره لذنوبك ورأى الناس حقيقة ما بينك وبين ربك،
ولو أن الله كشف للآخرين خائنة الأعين وحقيقة بعض ما يجول فى خواطرك ويجيش فى صدرك من أفكار نخجل من أن يطلع عليها الآخرون.
كل ذلك يجعل هذه النفس البشرية تثوب لرشدها وتدرك قيمتها ومكانها.
"اللهم اغفر لنا مالايعلمون، واجعلنا خيرا مما يظنون"
7-جسد الأجر والعمل
النية والثواب وإخلاص العمل وإعجاب الناس و... كلها أمور معنوية لا تقاس ولا تمسك باليد، وتجسيد مثل هذه الأمور فى صورة ومثال حسى يساعد على ملك زمامها وإدراك أبعادها.
فكما رأينا الصحابى فى عهد الرسول يترجم ويجسد إيمانه بصورة حسية حينما أخبر الرسول أنه أصبح مؤمنا حقا وحقيقة إيمانه أنه وكأنما يرى عرش ربه بارزا وأصحاب الجنة يتزاورون فيها و أصحاب النار وهم يتعذبون فيها.
فجسد أنت أيضا تلك القيم المعنوية ومن أمثلة ذلك:
1- تخيل لو أنك عملت عملا وعرض عليك أحدهم مائة جنيه نظير هذا العمل، وعرض الآخر عليك مليون جنيه نظير نفس العمل على شرط أن لا تأخذ المائة جنيه من الآخر. بالطبع ستأخذ المليون جنيها.
فما بالنا إذا كان الله عز وجل يعرض علينا جنة عرضها كعرض السماوات والأرض على أعمالنا ومنها العمل العام، على أن لا نقبل من الآخرين أجرا بأن يكون للنفس نصيب من العمل ومن مدح الناس وإعجابهم بالعمل ووصول ذلك للقلب وفساد نيته به.
2- فور انتهائك من العمل تخيل أنك تمسكه بيدك وتغوص به فى بحر عميق لتضعه فى صندوق الكنز الموجود فى عمق هذا البحر، ثم تغلق عليه الصندوق.
وأنت تغو ص فى هذا البحر اعلم واستشعر أن هذا البحر هو ذنوبك وتفريطك وتقصيرك، ويوشك أن يفسد هذا العمل إن أطلت النظر إليه ولم تسارع بوضعه فى الصندوق، كما سيُفسد هذا البحر من الآثام والذنوب هذا العمل إن أعدت فترة بعد فترة فتح الصندوق عليه لتتذكره وتعجب به حتى لو كان هذا بينك وبين نفسك.
3- تخيل أن هناك شخصين فى امتحان، أعطى كل منهما ورقة وقلما ووقتا محددا متساويا، أحدهم استغل كل دقيقة وقام باستخدام القلم ليخط ويكتب على ورقته، أما الآخر فأضاع الوقت وتلاعب بالقلم والورقة وبدلا من الكتابة ظل يضع شخابيطا لا معنى لها.
هذا بالضبط هو حقيقة العمل، فالله عز وجل هو من وهبك الوقت والحياة ووهبك الأدوات الورقة والقلم، وكل دورك كان بتوفيق من الله أن تحسن استغلال ما منحك الله إياه من وقت وورقة وقلم، فلم العُجب والمن على الله وهو من وهبك الموهبة والسمع والبصر واللسان والخطابة والتفكير، فلله الحمد أن وفقك لحسن استخدامها فى حين غفل الآخرون وضاع منهم الوقت والأدوات دون استفادة.
8-اقرأ فى سير السابقين واعرف مكانك
طالع سير الصحابة الأولين والتابعين وسير الصالحين والأئمة والمجاهدين من السابقين والمحدثين، انظر كيف بذلوا وعملوا وأجادوا وغيروا، ثم ابحث عن ذاتك وانجازك قارن نفسك بهم وقس أعمالك مهما عظمت بأعمالهم، لتعلم وتوقن أن الطريق بعد بعيدة وأنه ما يزال ينقصنا الكثير من البذل والعمل والإجادة والتأثير حتى نصل لهم.
فكيف يحيد إخلاصنا وتتبختر نفوسنا ونحن بعد لا زلنا أصفارا فى كتب التاريخ ولا زلنا فى آخر صف طابور العاملين.
9-طاعات السر وفضائل العمل
إن كان العمل العام هو ميدان عام وفيه من الظهور ما فيه، وإن كانت طاعات السر فى حق العباد جميعا أمر مندوب، فهى فى حق من ينشغل فى العمل العام أولى وأولى، فمثل تللك الأعمال التى تتم فى السر بين العبد وربه لا يطلع عليها سواه احد، تجعل بينه وبين الله حال وتضع عائقا بين نفسه وبين الوقوع فى تلك الزلات. فأصحاب طاعات السر هم قد اختلوا بالله فألبسهم من نوره وفاض عليهم من فيوضه، والله وحده يحول بين المرء وقلبه.
ولعل الله بطاعات السر وتلك الفضائل والسنن أن يكمل نقائص الأعمال، ويجبر عيوبها وكسرها.
10-انشغل بالعمل التالى
فور انتهاءك من عمل مهما كان نجاحه والتعب الذى لاقيته فيه، اشغل نفسك فورا بعمل جديد، حتى ولو كانت البداية باستغراق التفكير فيه. حتى لا تترك لنفسك فرصة لتعيد التفكير فيما سبق من أعمال والتغنى بحسنها والعُجب بجودتها.
فإن كانت النية صادقة فما تم انجازه هو خطوة ولا زالت هناك خطوات وخطوات، وميدان السباق لم ولن ينتهى إلا بأن يخرج النفس فلا يعود. حينها فقط يحق للمرء أن يستريح فكره ويهدأ جسده ويعطى أجره.
11-انظر لمن حولك .. هذا فضل الله عليك.... هذا واجب عليك
قلب نظرك فى الخلق من حولك، فهذا سلبه الله العقل، وهذا حرمه الله من نعمة البصر، وذلك قد أصابه حادث وصار مشلولا أو كسيحا، وهذا نشا فى ظروف اقتصادية حتمت عليه أن لا يكمل تعليمه وينصهر فى ميدان العمل منذ نعومة أظفاره، وهذا .. وذاك .. و.. و..
تأمل فى كل هذا واعلم أن كل ما أوتيته من طاقات وإمكانات وقدرات لتمارس هذا العمل العام، هو ليس من عند نفسك، بل هو من فضل الله ونعمته ومنه عليك.
بل والأهم ان حسابك وحساب هؤلاء الآخرين سيكون بقدر ما وفر الله لك ولهم من قدرات وظروف وإمكانات، لذا فما تفعله وتقدمه ليس تفضلا ولا منا منك بل هو فى الحقيقة واجب وفرض عليك، إن قصرت فيه صرت ملاما ومحاسبا عليه.
وربما يجدر الإشارة إلى انك لست بالتأكيد أفضل من تلك النماذج التى سقناها، ففضلا عن أن كل ميسر لما خلق له وان حسابهم أيسر من حسابك، إلا انه أيضا من هؤلاء من يفوق مئات المرات السليم المعافى صاحب الحظوظ الوافر والظروف المناسبة.
وما الشيخ أحمد يس على مرضه وشلله الكامل عنا ببعيد.
12-احذر .. أن يسحب الله ما وهبك إياه
ما تنعم فيه من قدرات ومواهب تستغلها وتستفيد منها فى أن تؤدى فى العمل العام ببراعة هو كما قلنا فضل من الله، وإن لم تؤدى حقه كما يجب وظننت أنك قد اوتيته على علم عندك، فاخش أن يخسف الله بك ويسلب منك ما حباك إياه من نعم ومواهب. وكم رأينا فى حياتنا من أمثلة لذلك، فبعد ان كان ملأ السمع والبصر والفؤاد، أصابه مرض او فاقة فتبدل به الحال وأصبح وحيدا لا يقوى حتى على أن يقضى حاجاته الشخصية بمفرده.
فاللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وأفئدتنا وقوتنا ما أحييتنا.
ثانيا: علاج قائم على المجموعة:
ما سبق خطوات يتخذها الفرد فى ذاته لعلاج تلك المشكل، وما يلى هو واجب الجماعة تجاه هذا الفرد
1- الفرد أولا
الحركة الإسلامية عامة تُعنى أول ما تعنى بالفرد وتأهيله، وهدفها يكون منصبا على أن يحيا الفرد فى ظل أحكام الله وشرعه ليسعد في الدينا ويفوز فى الآخرة، ولذا عليها أن تقدم اعتبارات تأثر الفرد بالعمل العام قبل أن تضع فى حساباتها ما ستجنيه من وجود هذا الشخص فى هذا المكان، حتى لا يكون اختيار الفرد لشغل المكان يؤدى إلى نجاح العمل وخسران الفرد
2-اختيار الشخص المناسب
أن يتم اختيار الشخص المناصب لشغل تلك الأماكن فى ميدان العمل العام. وذلك بأن يكون مناسبا على المستوى التربوى، ومؤهلا على المستوى الفنى، وان تكون ظروفه الحياتية مهيئة لتبعات الانشغال فى العمل العام بما يتطلبه من وقت وجهد وبعض المتطلبات المادية.
3-عدم المبالغة فى القيود
من الطبيعى أن للعمل العام مشاكله كما أوردناها فى الجزء السابق، ولكن لا يكون التعامل معها من قبل المجموع بالحظر على أفرادها من دخول هذا الميدان وعمل حجر صحى عليهم خوفا عليهم من أخطار وعواقب العمل العام، بل عليها أن لا تسرف فى القيود وأن تؤهل أفرادها تأهيلا جيدا لذلك، وتحصنهم ضد هذه الأمراض وتدفع بهم تدريجيا تحت الملاحظة وفى الوقت المناسب والمكان المناسب.
4-التأهيل والاعداد التربوى والمتابعة المستمرة
الاهتمام بالأفراد عامة من ناحية الجوانب التربوية واستكمال النقائص الأساسية فى تكوين شخصية تربوية سليمة، وإن كان هذا الكلام بخصوص جميع الأفراد العاملين فى المجال الدعوى، فإنه فى حق المشتغلين بالعمل العام أولى وأهم.
وأن يتم متابعتهم بشكل دائم ومتجدد لقياس حالهم ومعرفة أين وصلوا وأين توقفوا.
5-لا تكن عونا للشيطان على أخيك
فلا يسرف المجموع فى مدح الشخص إذا أحسن، حتى وان كان ذلك بحسن نية وحب، ولكن دوما يتم الثناء على العمل بالتذكير بأن هذا النجاح كان بتوفيق الله ونعمه التى أنعم بها عليه. فالحمد لله الذى من عليك يا فلان بنعمه وفضله وأجرى هذا النجاح للعمل على يديك، فلله الفضل والمنة
6-هيا بنا نؤمن ساعة
الحرص على عقد لقاءات ايمانية من حين لآخر، بعيدا عن المشاغل والمشاكل الإدارية. ويفضل ان تكون هذه اللقاءات بشكل دورى ثابت. وما أجمل ان تكون موضوعات اللقاءات حول أمراض النفوس وعلاجها والتصدى لها، والتذكير بالله وفضائله ومننه والذنوب والتوبة.
7-فقرات إيمانية فى اللقاءات الادارية
أن تكون هناك فقرة ثابتة ولو لدقائق بسيطة تتناول مثلا خاطرة إيمانية موجهة، تساعد على التذكير بتوجيه البوصلة فى اتجاهها الصحيح والسير بالعمل فى طريق إرضاء الله.
وأن يكون مثلا من ضمن الفقرات الثابتة ، فقرة لورد المحاسبة وربط مستوى الأداء والتميز والنجاح فى العمل بمقدار ارتباطنا بالأعمال التعبدية لله عز وجل وحرصنا عليها.
8-أن لا ننسى الآخرين
فى الغالب يكون الشخص البارز فى العمل العام من ورائه فريق يؤهله ويعده ويسانده لأداء مهمته.
وينبغى على المجموع أن لا ينسى هؤلاء وينسب الفضل لشخص واحد دون الآخرين، فهؤلاء هم الجنود المجهولون الذين يعملون فى الخفاء لنجاح العمل وبروزه بهذا الشكل والمستوى.
فلا ننسى تكريمهم وتذكير الأشخاص البارزين فى العمل العام بفضل هؤلاء الجنود المجهولين وجهدهم.
هذه الصورة أحب ان اختم بها هذا المقال حول سؤالنا العمل العام وهل يمكن أن يلتقى مع الإخلاص؟ أم انهما فى طريقين متوازيين لا يلتقيان؟؟
ربما فى هذه الصورة التشبيهية خلاصة المشكلة وخلاصة الحل. هى صورة ورسالة مباشرة لذلك الشخص الذى يخوض ميدان العمل العام، عليه ان يتفهمها ويستوعبها وبستحضرها دوما فى مخيلته كلما حاولت نفسه أن تتطلع لما هو ليس مشروعا لها وأن تجرفه بأمانيها ورغباتها لتنال حظا من العمل ينقص الاجر ويبطل العمل.
ترى هل ذهبت يوما إلى محلات الذهب، ورأيت واجهات العرض وهى تعرض الذهب وأنواع الحلى الجميلة والمتنوعة والتى تشد الأبصار وتجذب الانتباه.
هل انتبهت إلى أن الزجاج هو المادة المختارة ليعرض من خلالها هذا الذهب والجواهر النفيسة، ليس لأنه أقوى فبالتأكيد الخشب والحديد أقوى، ولكنه شفاف هذه سمته وخصيصته التى من أجلها اختير ليكون مناسبا لهذه المهمة.
وأنت فى الحقيقة يا من تعمل فى العمل العام لست سوى هذا الزجاج، لست أفضل الموجودين وأقواهم إيمانا وأكثرهم حكمة وموهبة وعملا، بل هناك من هو أفضل وأقوى منك ولكن ربما تكون أنت الأنسب لهذه المهمة. ومهم أن تعرف أيضا أنك واجهة العرض ولست الذهب الذى يعرض من خلالها،
فالجواهر الحقيقية هى حقيقة مشروعك الإسلامى الذى تعرضه..
واللؤلؤ الصافى هو دعوتك وفكرتك بكل ما تحويه من جمال وكمال من رب العالمين.. والذهب اللامع هو قلوب إخوانك الذين اختاروك وساندوك ويدعموك ويكون دعاؤهم لك بالتوفيق دوما سابقا، وفرحتهم بنجاحك فى العمل دوما ملازمة، لا يعبأون بأن يكونوا جنودا مجهولين وتكون أنت فى صدارة العمل وواجهته..
والذهب الأصيل هو قلب إخوانك الذين يرفعونك فوق أكتافهم ويلصقون صورك هنا وهناك وينشرون اسمك بين الناس ويقومون بالدعاية والحشد لك ويرون فى ارتقائك وارتفاعك رفعة لدعوتهم.
ويا طوبى لك إن كنت أنت الزجاج الذى تعرض تلك الذهبيات والجواهر ثم يكون قلبك بإخلاصه وتواضعه وإرجاعه الفضل لأهله لؤلؤة بين تلك الآلئ.
أخيرا أيها الأخ الكريم الذى اشتغل بالعمل العام، أخطر وأكثر ما يتعرض له زجاج العرض هو أن يتسخ أو أن ينكسر، فاحذر أيها الأخ الزجاجى على قلبك من أن يتسخ نقاؤه وطهره وسموه فيصبح أسود مربادا كالكوز مجحيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا.
واحذر ..
ثم احذر ..
على قلبك من أن ينكسر فحين ينكسر الزجاج لن يمكن إصلاحه.
هذا الموضوع يندرج تحت المشروع الإسلامي .. مشروع حياة, حالة حوار حول الإخوان المسلمين






