قف.. اختار لك دين


قبل أن نبدأ:

كنت أقلب فى صفحاتى القديمة على كمبيوترى فوجدت هذا المقال الذى كنت كتبته فى شهر 12 عام 2008، وعلى الفور تداعت لذهنى الأحداث الجارية حاليا حول إسلام تلك الفتاة وتنصر هذا الرجل، والشد والجذب وقول هنا وفعل هناك، ومظاهرات ومقالات وتصريحات واستدراكات واتهامات وتكذيبات وتوابع وتداعيات.

كل ذلك دفعنى لأنشر هذا المقال بعد ان كتبت خاتمته التى لم تكن قد اكتملت منذ عامين

ان كنت لتقرأه فانت مدعو لتكون على صفاء ذهن وخواء فكر وبجوارك كوب من الشاى ولا مانع ان يكون موضوعا فوقه بعضا من اوراق النعناع الأخضر

دمتم جميعا بخير


الدين وتأثيره على الحياة

شئنا أم أبينا يمثل الدين شيئا مهما فى حياة الناس، حتى أولئك الذين لا يعترفون بالأديان ويرون الدنيا هى الغاية والمنتهى فأيضا أولئك يتأثرون شائوا أم لم يشائوا بموضوع الدين.

والمتابع والراصد يجد أيضا كثيرا من أحداث التاريخ وكثيرا من وقائع اليوم ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بموضوع الدين. انظر فى الاقتصاد وابحث فى الاجتماع وحلل السياسة بل وحتى تابع الفنون والرياضة ستجد فى كل الطرق شيئا ما يرتبط أو يوصل أو ينبع من قضية الدين.

إذا فالموضوع فعلا مهم، ولا تتوقف نتائجه فقط على دار ما بعد الموت كما يؤمن بها أتباع الديانات المختلفة بل تمتد هذه التائج وتؤثر بشكل كبير على الدنيا التى نعيشها.

وسنحاول من خلال هذا المقال اجابة سؤال كيف تختار ديانتك بشكل موضوعى؟ ، ولكن قد تسأل ابتداء لماذا أصلا أتعب نفسى لاختيار دين؟؟

والاجابة انك تبحث عن دين لتلبى واحدة أو أكثر من النقاط التالية :

1- هل تؤمن بأن الإنسان مكون من جزئين المادة والروح، وأن المادة نتعهدها دوما بالرعاية والعناية، وهل تشعر أحيانا بأن جزءا منك يصرخ بك لا تستطيع لمسه ولا تعرف كنهه ويطلب أيضا شيئا غامضا.. وتحاول أن تبحث عن إجابة لتلك المطالب... إذا أنت تبحث عن الدين

2- هل نظرت يوما فى كتاب الكون وقلبت صفحة السماء والأرض وتأملت فى النفس البشرية بما فيها من ابداع فأيقنت أن هناك من يقف وراء هذا الجمال والبهاء، فأردت أن تعرف من وراءه؟؟ .. إذا فأنت تبحث عن الدين

3- هل فكرت يوما فى الحياة التى نحياها وكيف قد ينجو ظالم طاغية من العقاب، ويعيش إنسان مظلوم بائس تحت التراب، وشعرت يوما بحمق فكرة أن ينتهى الأمر كذلك وأنه لا بد من وجود قصاص عادل بشكل ما فى مكان ما؟؟ .... إذا فأنت تبحث عن الدين.

4- هل تأملت أوضاع البلاد والحضارات والتقدم، ورغم ذلك شعرت أن هناك شيئا مختلا فى هذه المنظومة، شيئ لو وجد لانصلحت تلك المنظومة وأصبحت لوحة جميلة ومعزوفة فريدة، هل تبحث عن هذا الشيئ وتفكر فيه؟؟ ... إذا أنت تبحث عن الدين

5- هل قرأت سطور المقدمة .. هل تعتقد صدقها من متابعاتك ومشاهداتك حتى وإن لم تكن تؤمن بالأديان؟؟، هل يدفعك الفضول لمعرفة هذا السر الذى يتوغل فى كل مسار من مسارات الحياة حتى الرياضة ويدفع الناس للتناحر والاختلاف بل والاقتتال؟؟.... إذا فأنت حتى من باب الفضول تبحث عن الدين.


لتبحث عن دينك بموضوعية

ليس هذا المقال بصدد عرض الأديان الموجودة فى عالمنا والمفاضلة والاختيار بينها و منها، فذلك قد يحتاج لسلسلة مقالات لاحقة، ولكنه فقط يضع بعضا من أدوات الموضوعية والحيادية للبحث عن الدين الصحيح.
نتناول
تلك الأدوات فى صورة قيم مطلقة، قيم عقلية منطقية، لتكون بين يدى القارئ تاركين له شغف تجربتها ليصل للدين الصحيح.

مراحل البحث

مرحلة أولى : مرحلة التحييد
مرحلة ثانية: من أين أبدأ ركز على العقيدة
مرحلة ثالثة: السماع من كما سمعت عن
مرحلة رابعة : البحث عن الشبهات والردود عليها

أولا: لنحيد هؤلاء فى المرحلة الأولى

1- لنحيد ديانة الوالدين.
طبيعى جدا أن ينشأ الابن منتميا لديانة والديه فالابن يكتسب الديانة من والديه كما يكتسب الصفات الوراثية والعادات والتقاليد.
ومن المنطقى أيضا أن يكون معيار وراثة الدين
معيارا غير علمى ولا موضوعى فى الوصول للدين الصحيح، وإلا فإن كل ابن معذور لاعتقاده فى دين والديه حتى وإن كان دينهما خطأ.
إذا فالخطوة الاولى للوصول بموضوعية للدين الصحيح هو تحييد عامل الديانة الموروثة فى شهادة الميلاد، وتحرير العقل والقلب فى طريق البحث عن الدين الصحيح من الالتزام بها والسير فى ركابها.

2- لنحييد التاريخ

التاريخ صفحات من كتاب قد مضت، وهذه السطور التى نقرأها فى هذا الكتاب كان وراءها أناس وأحداث، حركة وجلبة وقول هنا وفعل هناك، ووراء كل حدث حوادث ووراء كل فعل تفسيرات، ويخلص بعد ذلك أن يكون لكل كلمة فى هذا الكتاب قصص وروايات تختلف ولا تتفق إلا فيما ندر.

لذا لن يكون من المناسب أن نحتكم لتاريخ لم نحياه إلا ما كان متفقا عليه منه وهو نادر إن لم يكن منعدم، وإلا ما كان منه واقعا راسخا، فالأهرامات موجودة نحتكم لوجودها ولكن من بناها؟؟ أقاويل وأقاويل فإلى أيها نحتكم وأيها نقدم وأيها نؤخر وماذا منها نصدقه وماذا منها نرده ونكذبه، ونحن لم نعايش هذه الفقرة من التاريخ.

لذا لنحيد التاريخ جانبا ولا نخضع بحثنا وقرارانا لما قاله آخرون صدقوا أم كذبوا، تحروا الدقة أم بالغوا، نجحوا فى أن يعبروا عن ما أرادوا كتابته أم خانتهم التعبيرات.
لسنا فى المرحلة الأولى على الأقل من البحث فى حاجة إلى التاريخ، فالتاريخ يغوص فى التفاصيل ولسنا بعد مستعدين لذلك.

3- لنحيد الأشخاص

حياتنا مليئة بالتجارب، وتجاربنا مليئة بالاشخاص، وقد تكون هذه التجربة سلبية أو ايجابية ولا مشكلة فى ذلك، ولكن المشكلة أننا نختصر التجربة فى شخوص أبطالها وبعدها نعمم الأحكام على الأشخاص، فقد تكون فى يوم ما مررت بتجربة سلبية ما مع نرويجى فتظن ويغلب على فكرك أن النرويجيين كلهم سيئون والعكس.
قد لا تشعر بالارتياح النفسى لشخص ما فترفض العمل فى نفس المؤسسة التى يعمل بها رغم أنها الأفضل.
مثل هذه المعايير فى الحكم على الأمور من خلال الأشخاص تحتكم للعاطفة وليس العقل، لذا من المهم أن نحييد الأشخاص فى مرحلة البحث

4- لنحيد الخلفيات الذهنية

العقل لا يكل ولا يمل، فيرصد هنا ويحلل هناك، ولا يمر موقف أو شخص أو شيئ فى حياتنا إلا نال حظا من هذا التحليل، منه ما يترجم لاجراءات وافعال، ومنه ما يقبع هناك فى ركن بعيد من العقل ويصبح خلفية ذهنية وانطباع مسبق.
مهم ان نبحث فى تلافيف هذا العقل عن تلك الخلفيات الذهنية والانطباعات المسبقة ونحيدها فى المرحلة الأولى من البحث، أو على الأقل مرحلة البحث فرصة لتجديد تلك الخلفيات والانطباعات ولكن وفق دراسة علمية منطقية.

5- لنحيد العاطفة

وكأن كل السطور الماضية تدعونا باختصار لتحييد رأى العاطفة مؤقتا، والاستماع فقط لصوت العقل والحقائق والمنطق. وليس ذلك اغفالا لدور العاطفة ومهمتها فى اختيار الدين والايمان به والبذل له، ولكنه فقط ترتيب للأوراق، واعطاء مساحة للعقل كى يعطى حكمه وقراره ومن بعدها تنطلق العاطفة الجياشة تكمل الفكرة وتنضج الإيمان.

ثانيا: ركز على العقيدة

الأديان تحوى مجموعة ضخمة متراكبة من الأفكار والسلوكيات والتشريعات والعبادات والتوجيهات والأوامر والنواهى والأحداث و.. و ...

ومن الخطأ أن يبدأ الإنسان البحث والتفكير فى الدين من خلال هذه التفاصيل، فما قد يبدو منها شاذا أو غريبا حال النظر إليه مجردا قد يكون عميقا رائعا فى حال النظر إليه من خلال المنظومة المتكاملة.

لذا فى حال البحث لاختيار الديانة يجب أن يكون التسلسل المنطقى هو بالوقوف عند العقيدة كمدخل للدين، فلكل دين عقيدة ينبنى عليها قد يمكن ايجازها كاملة فى بضعة صفحات بل فى بضعة سطور أو كلمات. هذه السطور هى المفتاح الأول للبحث، فعلى الرغم من انها بضعة صفحات أو سطور إلا أنها فى الحقيقة هى جوهر الاختلاف بين الأديان التى قد تتلاقى فى كثير من مكارم الأخلاق وتتلاقى فى كثير من التوجيهات والغيبيات.

ركز على العقائد، اعرفها وافهمها واستوعبها جيدا، عش مع مفردات أفكارها، اعرضها على عقلك ونقحها، قلبها يمنة ويسرة، وانظر إلى أيها سيرتاح عقلك وفكرك وتراه منطقيا وعقلانيا. ولاتنسى انطلاقك محررا من القيود التى ذكرناها فى النقطة السابقة، وكذلك محررا من أسر الخوض فى التفاصيل اللاحقة.

ثالثا اسمع من كما سمعت عن

كونك تنتمى لديانة ما ، يجعلك بطبيعة الحال عرضة لأن تسمع عن الديانات الأخرى من النقد والتشكيك والتقليل وتصيد الاخطاء وتضخيم بعض الأمور، وهذا طبيعى فكونى على الصواب باعتناق دين ما يعنى بالتأكيد أنهم خطأ، فلا يجوز هنا القول بأن هناك صواب وأصوب ولكن فى اختلاف الأديان يكون هناك صواب وخطأ كون هذه الأديان تتعارض فى أمور رئيسية هى صلب عقيدتها وأساس فكرتها.

إذا المطلوب فى هذه المرحلة أن تسمع من كما سمعت عن، اترك فرصة لعقلك ان يسمع صوتا مختلفا وأن يرى صورة مغايرة عن ذلك الآخر، فكما تشبعت أفكارك بصورة ما عنهم، فاترك لنفسك الفرصة أن تسمع منهم، اجمع كل هذه المدخلات والمعطيات ورتبها بجوار بعضها البعض، قارن بين ما سمعت من وما سمعت عن هل الصورة متطابقة هل هناك أبعاد أخرى تتفتح وآفاق تتسع ورؤى تكتمل وأفكار تختمر وتقييمات تنضج.

نعم هذه خطوة مهمة أنت الآن قاضى تحكم فى قضية وعليك أن تسمع من الخصمين حتى تطلق حكما صحيحا عادلا، وأى قضية تلك التى تناقشها وأى حكم هذا المنتظر منك، إنه حكم قد يغير مسار الحياة وشكل الكون.

رابعا: ابحث عن الشبهات والردود عليها

بقيت المحطة الأخيرة، بعد ان حيدت العاطفة، وعرفت العقيدة، وسمعت من، بقى أن تبحث عن كل ما يثار حول تلك الديانات من اتهامات واخطاء وشبهات، فلقد أتعب كثيرون أنفسهم من قبلك فى هذا المضمار فلا بأس أن تستفيد مما أتعبوا أنفسهم فيه فأنت مقبل على حكم تاريخيى يستحق أن ترى بأعين كثيرة وتسمع من أفواه متعددة وتقرأ من كتابات مختلفة، ولكن أيضا لا تنسى أن تبحث عن الردود على تلك الاتهامات والشبهات وان تقرأ الرأى الآخر ووجهة نظره وأسانيده وأدلته، فهذه هى جلسة الاستئناف الكل يدلى بدلوه ويطرح بضاعته، والقاضى يعطى الفرصة الأخيرة قبل أن ينطق بالحكم وترفع الجلسة.

الآن .. قف للحظة

اكتملت المعطيات وبقى الحكم، الحكم كلمة واحدة تلخص ما وصلت إليه بعد العناء والجهد، كلمة تعنون ديانتك وترسم هويتك وتحدد حاضرك ومستقبلك، لا تخف وانفض عنك الرجفة فالأمر يستحق والمتعة المنتظرة تغلب العوائق المترقبة المتوثبة.

قد يكون الحكم بان يبقى الوضع على ما هوعليه وأنك بالفعل على الصواب، جميل جميل لم يضع وقتك هباء بل رسخت عقيدتك وقفلت بابا مواربا كان يهتز من وقت لآخر مع توابع الهواء وصفير الرياح.

وقد يكون الحكم مختلف حينها أنت بالفعل مقبل على ميلاد جديد، بما تحمله الكلمة من آلام ومخاض، بما تحمله من معانى ومشاعر، بما تحمله دلالة الخروج من الرحم الأمين إلى الدنيا بمتغيراتها وتقلباتها.

حقا الأمر يستحق والفرصة بين يديك والقرار قرارك

للتعليق اضغط هنا

6 التعليقات:

  1. غير معرف يقول...

    موضوع هاااااااااايل

  2. Sally يقول...
    أزال المؤلف هذا التعليق.
  3. محمد الجرايحى يقول...

    جزاك الله خيراً

  4. عصفور المدينة يقول...

    بدون مجاملة هذه المقالة تستحق أن تترجم وتنشر على أوسع نطاق
    جزاكم الله خيرا

  5. شركة فرسان المدينة يقول...
  6. شركة فرسان المدينة يقول...

Blogger Template by Blogcrowds


Copyright 2006| Blogger Templates by GeckoandFly modified and converted to Blogger Beta by Blogcrowds.
No part of the content or the blog may be reproduced without prior written permission.